السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (3 من 10): بلد يملك كل شيء… فكيف وصل إلى هذا الحال؟
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

ليس من السهل تفسير حال السودان بندرة الموارد. فهذه بلاد تملك مساحات شاسعة من الأراضي، ومياهًا، وثروة حيوانية كبيرة، وذهبًا ومعادن، وموقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، وموارد بشرية، وفرصًا واسعة في الزراعة والتعدين والصناعة والطاقة والنقل والسياحة والخدمات.
ومع ذلك يعيش السودان منذ سنوات طويلة أزمات متلاحقة في الغذاء والدواء والوقود والكهرباء والنقل والعمل والإنتاج، ويتراجع الجنيه، وترتفع الأسعار، وتضعف الخدمات، ويهاجر رأس المال والكفاءات، ويبحث المواطن عن أبسط ضروريات حياته في بلد تكفي موارده، إذا أُحسن استغلالها، لصناعة واقع مختلف تمامًا.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن نتوقف عندها: كيف يمكن لبلد يملك كل هذه الإمكانات أن يعجز عن تحويلها إلى إنتاج ودخل وفرص عمل وخدمات واستقرار؟
الجواب لا يكمن في مورد واحد نفتقده، ولا في أزمة منفردة إذا عالجناها انتهت المشكلة. فالذهب موجود، والأرض موجودة، والمياه موجودة، والثروة الحيوانية موجودة، والموقع موجود، والإنسان موجود؛ لكن وجود الموارد شيء، ووجود البيئة التي تحولها إلى ثروة منتجة شيء آخر.
الأرض وحدها لا تنتج إذا تعثر التمويل والطاقة والنقل والتسويق. والذهب لا يصنع اقتصادًا قويًا إذا هُرّب جانب من عائده أو خرجت تجارته عن القنوات المنظمة. والثروة الحيوانية لا تبلغ قيمتها الحقيقية إذا صدّرناها بأقل قدر من التصنيع والقيمة المضافة. والموقع الجغرافي لا يصبح ميزة اقتصادية لمجرد وجوده على الخريطة، بل عندما توجد موانئ ونقل وخدمات وقوانين واستثمارات تجعل الآخرين راغبين في استخدامه.
وحتى رأس المال لا تكفي دعوته إلى الاستثمار. فصاحبه يسأل قبل أن يأتي: هل القانون واضح؟ هل العقد محمي؟ هل أستطيع إدخال أموالي وتحويل أرباحي؟ هل الضرائب والرسوم معلومة؟ هل الإجراءات سريعة؟ هل سعر الصرف تحكمه سوق واضحة؟ وهل ستظل القواعد غدًا كما هي اليوم؟
فإذا كانت الإجابات مضطربة، بقيت الموارد في الأرض أو خرجت خامًا بأقل عائد، وذهب المستثمر إلى بيئة أكثر استقرارًا، وهاجر صاحب الخبرة، واتجه جانب من النشاط الاقتصادي إلى الظل، ثم تعجبت الدولة من ضعف الإنتاج والإيرادات والنقد الأجنبي.
وهكذا يصبح السؤال الصحيح ليس: ماذا يملك السودان؟ بل: ما البيئة التي يعمل داخلها ما يملكه السودان؟
لقد اعتدنا، كلما ظهرت أزمة، أن نتعامل معها منفردة. يرتفع الدولار فنبحث عن تجار العملة، وترتفع الأسعار فنبحث عن المتسبب في الغلاء، ويقل النقد الأجنبي فنشدد القيود، ويضعف الإنتاج فنعلن مبادرة، ويتراجع الاستثمار فننشئ لجنة، وتنخفض الإيرادات فنضيف رسمًا أو جباية.
لكن الاقتصاد ليس مجموعة غرف مغلقة؛ فكل خلل ينتقل إلى غيره.
ضعف الإنتاج يقلل الصادرات والنقد الأجنبي، ونقص النقد الأجنبي يضغط على العملة، وتراجع العملة يرفع تكلفة الإنتاج والاستيراد، وارتفاع التكلفة يرفع الأسعار ويضعف القوة الشرائية، وعدم استقرار السياسات يرفع المخاطر ويطرد الاستثمار، وضعف الاستثمار يقلل الإنتاج وفرص العمل والإيرادات، فتعود الدورة إلى بدايتها أشد سوءًا.
والحرب زادت هذا كله تدميرًا وتعقيدًا: أخرجت منشآت من الخدمة، وشردت الناس، وعطلت الإنتاج والتجارة والخدمات، وأضعفت مؤسسات الدولة ومواردها. لكنها، على جسامة أثرها، لم تنشئ كل اختلالات الاقتصاد السوداني من الصفر؛ فكثير من مشكلات الإنتاج والاستثمار وسعر الصرف والجبايات والبيروقراطية وضعف المؤسسات وعدم استقرار السياسات سبقها بسنوات طويلة. ولذلك فإن وقف الحرب ضرورة كبرى، لكنه لا يغني وحده عن إصلاح البيئة التي كانت مختلة قبلها.
وهنا نصل إلى أصل المسألة: السودان لا تنقصه الموارد بقدر ما تنقصه البيئة التي تطلق هذه الموارد وتربط بينها وتحولها إلى إنتاج وثروة ودخل عام وفرص عمل.
والمشكلة أن إصلاح جزء واحد مع إبقاء بقية البيئة مختلة قد ينقل الأزمة من مكان إلى آخر بدل أن ينهيها. فلا يكفي تحرير سعر الصرف إذا بقيت بقية الاختلالات، ولا يكفي فتح الاستثمار إذا ظلت البيئة طاردة له، ولا يكفي إصلاح إجراء منفرد إذا بقيت المنظومة التي يعمل داخلها معطلة.
لهذا لا نحتاج إلى قرار منفرد جديد يضاف إلى آلاف القرارات، بل إلى تغيير طريقة إدارة الاقتصاد والدولة نفسها: أن ننتقل من مطاردة النتائج بعد وقوعها إلى إصلاح البيئة التي تنتجها.
فالسؤال لم يعد: لماذا لا تنقذنا مواردنا؟
بل: ما الحزمة المتكاملة التي تجعل الأرض والمياه والذهب والثروة الحيوانية والموقع ورأس المال والإنسان تعمل جميعًا داخل بيئة واحدة منتجة؟
وهذا هو موضوع المقال القادم، إن شاء الله:
الحزمة التي لم نطبقها.





