الأخبارالسودانمقالات

،،، ملاذ آمن على طريق النزوح،،،

تكتب | آمنة الفضل

في أقصى شمال السودان ، حيث تمتد الولاية الشمالية بملامحها الهادئة، تبدو مدينة “الدبة” اليوم واحدة من المحطات التي احتضنت آلاف النازحين القادمين من دارفور، بعد أن عصفت الحرب بمناطقهم، واستنزفت الأرواح والموارد، ولم تترك لكثير منهم خياراً سوى رحلة نزوح شاقة باتجاه الشمال، بحثًا عن الأمن والطمأنينة.


وصلت الأسر النازحة بعد رحلة قاسية، لتجد في هذه البقعة مأوى وغذاءً ومياهًا؛ أبسط مقومات الحياة التي يحتاج إليها الإنسان حين يفر من الخطر، والتي قد تصبح في ظروف الحرب الفارق بين النجاة والموت.
لكن الوصول إلى مكان آمن لا يعني أن رحلة المعاناة قد انتهت.


فمع تزايد أعداد النازحين، أصبحت الاحتياجات أكبر من الإمكانات المتاحة، رغم الجهود المحلية، والدعم الإقليمي والدولي، ومشاركة المنظمات الإنسانية والمحلية في تقديم الخدمات.
وبحسب الإفادات التي تلقيناها، رصدت منظمة العون الإنساني الزيادة المتصاعدة في أعداد النازحين، قبل إغلاق التسجيل عند أكثر من أربعة آلاف أسرة، تتلقى الخدمات عبر إدارة المخيم والجهات المختصة والمنظمات المحلية والدولية.


حيث أوضح مدير مركز إيواء أزهري المبارك.. مخيم العفاض أ. معتصم محجوب:
أن بداية المخيم جاءت بمبادرة من أهل المنطقة، الذين بادروا إلى توفير الإيواء والغذاء للنازحين.
ومع تزايد أعداد القادمين، اتسعت دائرة الاستجابة، وتدافعت المنظمات المحلية والدولية لتقديم الخدمات المختلفة، من الإيواء والغذاء إلى الرعاية الصحية ومياه الشرب.

وهكذا انتقل المخيم تدريجيًا من مبادرة أهلية محدودة الإمكانات إلى مساحة تتقاطع فيها جهود المجتمع المحلي مع جهود المنظمات والجهات المختصة، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للنازحين.
يمتلك المخيم حاليًا مطبخا خاصاً يهتم بإعداد الوجبات ومراعاة النظام الغذائي للنازحين.

وقد يبدو توفير الطعام أمراً بسيطاً عند النظر إليه من الخارج، لكنه في حياة النازح يمثل أحد أعمدة الاستقرار؛ فالوجبة المنتظمة تعني قدرا من الأمان في يوم لا يزال كثير من تفاصيله مجهولًا.
وهنا تتجلى أهمية المبادرات التي تبدأ من أبسط الاحتياجات، ثم تتطور مع اتساع المجتمع وازدياد مسؤولياته.

وفي الجانب الصحي، يضم المخيم، بحسب إفادة الإدارة، ثماني عيادات تهتم بالصحة العامة، مع تركيز خاص على الدعم النفسي والصحة الإنجابية وصحة الطفل.
وتضم العيادات طبيبًا ومعملا وصيدلية، و معملا مرجعيا أيضاً كما تستفيد من نظام التأمين الصحي الحكومي في تقديم خدماتها.


عملت منظمة اليونيسف على تمويل وتنفيذ حملات الإصحاح البيئي للحد من انتشار الأمراض والأوبئة داخل مراكز الإيواء وأيضاً تحسين الأوضاع البيئية والصحية العامة بالتنسيق مع المؤسسة الصحية العالمية ولجان الطوارئ والفرق التطوعية المحلية. كما عملت المؤسسة الصحية أيضاً في تقديم خدمات طبية متكاملة تركز على الصحة الإنجابية وصحة المرأة والطفل، بهدف تعزيز سلامة النساء والأطفال والحد من الأمراض والمضاعفات المرتبطة بالصحة الإنجابية والطفولة، بما في ذلك فقر الدم وسوء التغذية وغيرها من المشكلات الصحية.

وفي بيئة النزوح، تصبح صحة المرأة والطفل أكثر ارتباطاً بالظروف المعيشية والتغذوية والاجتماعية، ولذلك فإن وجود خدمات صحية متخصصة يمثل جزءاً أساسياً من منظومة الحماية والرعاية.
وفي حديثهما عن واقع النازحين، أوضح كل من د.أحمد عبد الرحمن ساتي منسق منظمة “ريليف” وأ.ميادة عبد الحليم، منسق منظمة “إضافة”، أهمية المساحات الآمنة للنساء والأطفال.

فهي ليست مجرد أماكن للترفيه، وإنما بيئات توفر التوعية والدعم النفسي والتعليمي، وتساعد على تنمية المهارات وتعزيز الثقة بالنفس، إلى جانب توفير مساحة أكثر أمانًا للتفاعل والتعلم واستعادة شيء من الحياة الطبيعية.
فالطفل الذي اقتلعته الحرب من مدرسته لا يحتاج إلى الغذاء وحده؛ يحتاج أيضًا إلى كتاب، وملعب، وصديق، ومساحة يستطيع فيها أن يضحك دون خوف.

والمرأة التي حملت أعباء النزوح تحتاج إلى ما هو أبعد من المساعدة المادية؛ تحتاج إلى مساحة آمنة، وإلى المعرفة والدعم، وإلى فرصة لاستعادة قدرتها على المبادرة وصناعة شيء من حياتها.
وفي مجال التعليم، يضم المخيم مدرستين، إلى جانب وجود التعليم الإلكتروني، بما يتيح للأطفال مواصلة تحصيلهم الدراسي رغم ظروف النزوح.

كما توجد أنشطة رياضية متنوعة، توفر للأطفال والشباب مساحة للحركة والتفاعل الاجتماعي، وتساعدهم على تجاوز بعض آثار الفراغ والعزلة التي قد تفرضها ظروف النزوح.
فالتعليم هنا ليس مجرد مادة دراسية؛ إنه محاولة لحماية المستقبل من أن يصبح أحد ضحايا الحرب.
المجتمع لا ينتظر المساعدة فقط.
ولعل الجانب الأكثر أهمية في هذه التجربة هو أن النازحين ليسوا مجرد متلقين للخدمات.

فمنذ البدايات، ظهرت مبادرات أهلية ومجتمعية أسهمت في إسناد الأسر، وتعاونت مع إدارة المخيم والجهات الإنسانية في مواجهة الاحتياجات المتزايدة.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً:
ماذا يمتلك هذا المجتمع من قدرات يمكن البناء عليها؟
فبين النازحين معلمون، وأصحاب حرف، وشباب يمتلكون طاقات، ونساء يحملن مهارات وخبرات، وأشخاص قادرون على المبادرة والتنظيم.

وقد تكون الخطوة القادمة ليست فقط في زيادة المساعدات، وإنما في تحويل بعض هذه الطاقات إلى مشروعات ومبادرات مستدامة تمنح النازح فرصة ليكون شريكًا في صناعة الحل، لا مجرد مستفيد منه.
إن “تجربة الدبة” ومخيم العفاض تضعنا أمام حقيقة مهمة:
النزوح لا ينتهي بمجرد الوصول إلى مكان آمن.
هناك رحلة أخرى تبدأ بعد الوصول؛ رحلة البحث عن الماء، الغذاء، الصحة، التعليم، العمل، الدعم النفسي، الأمان، والكرامة الإنسانية.

ومع اتساع أعداد النازحين، تصبح المسؤولية أكبر من قدرة جهة واحدة، الأمر الذي يجعل التنسيق بين إدارة المخيم، والمجتمع المضيف، والمنظمات المحلية والدولية، ضرورة أساسية لضمان استمرار الخدمات وتوجيهها نحو الأولويات الفعلية.
وفي النهاية، يبقى خلف كل رقم وجه، وخلف كل أسرة حكاية، وخلف كل خيمة إنسان يحاول أن يستعيد شيئًا من حياته.

قد يكون قد فقد بيته، وأرضه، وأمانه، لكنه لم يفقد بالضرورة قدرته على الحلم.
وربما كانت المهمة الأكبر أمام كل من يعمل في مجال الإغاثة والنزوح ألا يكتفي بإنقاذ الإنسان من الموت، وإنما يساعده أيضًا على استعادة الحياة.

فالإيواء بداية الطريق…
أما الغاية، فهي أن يجد الإنسان مكانًا يستطيع فيه أن يقول من جديد:
هنا أنا آمن… وهنا يمكنني أن أبدأ من جديد..

 

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى