مقالات

الإستقالة ليست هزيمة.. بل احترام للمسؤولية

عبق الذاكرة|هدى الخليفة النور

هناك من يظن أن المنصب امتياز يُتمسك به مهما كانت النتائج، بينما الحقيقة أن المنصب مسؤولية ثقيلة، وميزانه الوحيد هو الإنجاز. فالمدير الذي يعجز عن إدارة مؤسسة، سواء كانت حكومية أو مدنية أو خاصة، لا يخدمها بالبقاء، بل يرهقها ويؤخرها.
ليس عيبًا أن تواجه الإدارة تحديات، ولا أن تمر المؤسسة بأزمات، لكن العيب الحقيقي أن يصبح المدير جزءًا من الأزمة، ثم يصر على البقاء وكأن الكرسي حق مكتسب لا يُنتزع إلا بالقوة.
كل يوم يبقى فيه مدير غير قادر على اتخاذ القرار، أو عاجز عن قيادة فريقه، أو غير مؤهل لمواجهة المشكلات، هو يوم يُخصم من عمر المؤسسة. تتعطل الخدمات، وتتراجع الإنتاجية، وتُهدر الموارد، بينما يدفع المواطن أو الموظف أو العميل ثمن هذا الفشل.

الاستقالة في مثل هذه الحالات ليست اعترافًا بالضعف، وإنما اعتراف بالمسؤولية. وهي موقف أخلاقي يعكس احترامًا للمؤسسة وللعاملين فيها، ويفتح الباب لمن يملك الكفاءة والرؤية والقدرة على الإنجاز.
أما التشبث بالمناصب رغم الإخفاق، فهو أخطر أشكال الأنانية الإدارية. لأن المدير الناجح لا يقاس بعدد السنوات التي قضاها في مكتبه، بل بحجم الأثر الذي تركه، وبما حققه من تطوير وإصلاح.
لا يمكن لمؤسسة أن تتقدم إذا كان قائدها يرفض الاعتراف بالتقصير، ويبرر كل فشل بالظروف أو نقص الإمكانيات أو أخطاء الآخرين. فالقيادة الحقيقية تبدأ بتحمل المسؤولية قبل توزيع الاتهامات.

نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في الإدارة، ثقافة تقول إن المنصب ليس غاية، بل وسيلة لخدمة الناس. فإذا توقفت هذه الخدمة، أو أصبح وجود المسؤول عبئًا أكثر من كونه إضافة، فإن الرحيل يصبح واجبًا، لا خيارًا.
في الدول التي تحترم مؤسساتها، يستقيل المسؤول بسبب خطأ إداري، أو تقصير في الأداء، أو إخفاق في تحقيق الأهداف. أما في بعض مجتمعاتنا، فيبقى المسؤول في موقعه رغم تراكم الإخفاقات، وكأن الفشل يمنحه حصانة لا مساءلة.
الكرسي لا يصنع قائدًا، وإنما القائد هو من يمنح الكرسي قيمته. ومن لا يستطيع أن يقود، فليتحلَّ بالشجاعة الكافية ليترك المكان لمن هو أقدر منه.
فالاستقالة عند العجز ليست هروبًا من المسؤولية، بل أسمى صور تحملها. والمؤسسات لا تُبنى بالألقاب، وإنما بالكفاءات التي تعرف متى تتقدم… ومتى تنسحب حفاظًا على المصلحة العامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى