مقالات

السودان بين السيف والذهب والهوية

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

تقوم الدول القادرة على ثلاثة أركان كبرى: قوة تحميها، واقتصاد يبنيها، وهوية تحدد وجهتها. فالدولة التي تهمل أمنها تنكشف، والتي تهدر مواردها تضعف، والتي تفقد هويتها تضطرب بوصلتها، ولو امتلكت القوة والمال.
والسودان، وهو يقف في مفترق طرق تاريخي، لا يستطيع النهوض إلا بإعادة بناء هذه الأركان في إطار مشروع وطني حديث ومتكامل.
فالسيف هنا لا يعني السلاح وحده، بل منظومة قوة مسؤولة تشمل جيشًا وطنيًا واحدًا محترفًا، وتدريبًا متقدمًا، ودفاعًا سيبرانيًا، ومراقبة حديثة للحدود والموارد، ومؤسسات تفرض القانون على الجميع. وهذه القوة ليست نزعة عسكرية، بل شرط لحماية السيادة ومنع الفوضى وحفظ المصالح الوطنية.

أما الذهب فلا يُقصد به المعدن وحده، بل الثروة والاقتصاد المنتج: قطاع خاص قوي، وسعر صرف واقعي وشفاف، ومصارف فاعلة، واستثمار حر تحكمه المنافسة والقانون، ونظام مالي لا تطرده القيود والفساد. فالاقتصاد هو الذي يمول الأمن والتعليم والخدمات والبنية الأساسية، ويمنح الدولة وزنها الداخلي والخارجي.
وقد أثبتت التجارب أن الاقتصادات التي تقوم على الاحتكار والتسعير الإداري وتقييد السوق تنتهي غالبًا إلى العجز والفساد، بينما تنهض الاقتصادات حين تتحرر قوى الإنتاج والتجارة والاستثمار في إطار الشفافية والحوكمة ونفاذ القانون.
غير أن القوة والمال لا يصنعان نهضة راشدة من دون هوية جامعة تضبط الاتجاه وتمنح الدولة معناها الأخلاقي والحضاري. فالهوية ليست شعارًا سياسيًا، بل عقد معنوي يربط المجتمع بنفسه، ويحدد مرجعية الدولة، ويوجه القوة والاقتصاد نحو العدل والعمران بدل الصراع والتفكك.

ولا توجد دولة بلا منظومة قيم، مهما رفعت شعار الحياد؛ فالقيم تنعكس في القانون والتعليم والسياسة والإدارة. ولذلك فالسؤال ليس: هل تكون للسودان هوية؟ بل: هل تكون هويته واعية جامعة، أم ممزقة أو مستوردة لا تعبّر عن وجدانه؟
والسودان ذو هوية إسلامية عميقة، لكن المطلوب ليس دولة شعارات أو إقصاء، بل دولة تستلهم من الإسلام العدل والشورى والرحمة وحفظ الحقوق، وتكفل المواطنة الكاملة لجميع السودانيين، وتستفيد من آليات الحكم الحديثة والتداول السلمي للسلطة، بعيدًا عن الغلو أو التهريج الذي لا يقدم رؤية ذات أسس واضحة، ولا برامج عملية نافعة قابلة للتنفيذ والقياس.

فالإسلام في أصله لم يجعل خصومة بين الوحي والعقل، ولا بين الدين والعلم، بل جعل العقل مناط التكليف، وربط الإيمان بالتفكر، والعبادة بالعمران، والسلطة بالعدل. وقد ازدهرت الحضارة الإسلامية حين جمعت العلم والكفاءة والانفتاح والعدل، وتراجعت حين ضعفت المؤسسات وساد الاستبداد وتعطل العقل وتحول الدين إلى مادة للجدل والصراع بدل أن يكون قوة للبناء والإصلاح.
ولا يمكن بناء القوة، أو النهوض بالاقتصاد، أو حماية الهوية، عبر إجراءات متفرقة ومعالجات جزئية؛ بل يتطلب ذلك إصلاح البيئة العامة بحزمة واحدة متكاملة تُنزَّل بالتوازي لا بالتوالي، وتتساند فيها الإصلاحات السياسية والاقتصادية والقانونية والمؤسسية والتعليمية والتقنية.

فكل ركن من هذه الأركان يؤثر في الآخر: لا قوة مستقرة من دون اقتصاد منتج ومؤسسات راشدة، ولا اقتصاد مزدهر من دون أمن وقانون وثقة، ولا هوية فاعلة من دون دولة عادلة تحول قيمها إلى سياسات وممارسات. ومن دون إصلاح شامل للبيئة العامة، تظل القوة محدودة، والثروة مهدرة، والهوية أقرب إلى الشعار منها إلى مشروع دولة.
ويمتلك السودان مقومات النهوض: موقعًا استراتيجيًا، وأرضًا ومياهًا ومعادن، وطاقات بشرية كبيرة، وهوية قادرة على جمع الناس إذا قُدمت بعلم ورشد. لكن الموارد وحدها لا تصنع القوة ما لم تحسن الدولة إدارتها وتحويلها إلى إنتاج ومؤسسات وفرص.
فالسيف بلا اقتصاد عبء مرهق، والاقتصاد بلا هوية قد يتحول إلى مصلحة بلا معنى، والهوية بلا قوة واقتصاد تبقى أمنية عاجزة عن بناء دولة.
وحين يجمع السودان بين قوة تحمي، واقتصاد يبني، وهوية تهدي، ضمن بيئة عامة صالحة تصنعها حزمة إصلاح متكاملة ومتوازية، يمكنه أن ينتقل من الاضطراب إلى الاستقرار، ومن تبديد الموارد إلى استثمارها، ومن التنازع حول الدولة إلى بناء دولة تحمي أرضها، وتصون كرامة شعبها، وتملك قرارها ومستقبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى