
ليست التعاونيات فكرة قديمة تُستدعى من الذاكرة عند الحديث عن الريف، ولا شعارًا اجتماعيًا يصلح للمؤتمرات والخطب، بل هي واحدة من أهم الأدوات العملية التي يمكن أن تعيد تنظيم طاقات الناس، وتجمع الموارد المتفرقة، وتفتح أمام صغار المنتجين بابًا إلى السوق والتمويل والتصنيع والاستقرار. وفي بلد مثل السودان، حيث يشكل الريف عمق الإنتاج وخزان الغذاء والثروة الحيوانية، يصبح الحديث عن التعاونيات حديثًا عن مستقبل الاقتصاد والسلام معًا.
فالريف السوداني لا يعاني فقط من ضعف الخدمات أو قلة التمويل، بل يعاني كذلك من تشتت المنتجين، وضعف قدرتهم على التفاوض، وارتفاع تكلفة المدخلات، وسيطرة الوسطاء، وضعف التخزين، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، وقلة التصنيع المحلي، وغياب المؤسسات القاعدية القادرة على حماية المنتج الصغير. والمزارع أو الراعي أو صاحب الحرفة حين يقف وحده أمام السوق يكون ضعيفًا، مهما كان مجتهدًا، أما حين ينتظم مع غيره في تعاونية حقيقية، فإنه ينتقل من حالة الفرد المعزول إلى قوة جماعية تستطيع الشراء، والإنتاج، والتخزين، والتسويق، والتمويل، والمحاسبة.
والتعاونية الناجحة ليست مجرد جمعية تُسجل في الأوراق، ولا لافتة تُرفع باسم القرية أو الحي، بل مؤسسة اقتصادية واجتماعية لها أعضاء معروفون، ونظام داخلي واضح، وحسابات مكشوفة، وإدارة منتخبة، ومراجعة دورية، وخطة عمل، وسوق مستهدف، وقدرة على تحقيق منفعة مباشرة لأعضائها. فإذا غابت الحوكمة عن التعاونية نفسها، تحولت من أداة لإنقاذ الضعفاء إلى باب جديد للتلاعب باسمهم. ولذلك فإن أول شرط في إحياء العمل التعاوني هو أن ننتقل به من العاطفة إلى المؤسسة، ومن المجاملة إلى الحساب، ومن الثقة الشخصية إلى الشفافية المنظمة.
وفي المجال الزراعي، تستطيع التعاونيات أن تُحدث فرقًا كبيرًا إذا أُحسن بناؤها؛ فهي تستطيع شراء البذور والأسمدة والوقود والمبيدات بصورة جماعية تخفض التكلفة، وإنشاء مخازن ومراكز فرز وتعبئة، والتفاوض مع المشترين والمصدرين من موقع أقوى، وإدخال تقنيات الري والطاقة الشمسية والميكنة الصغيرة، وربط المزارعين بالإرشاد الزراعي والتمويل والأسواق. وبهذا لا يبقى المزارع تحت رحمة السوق وحده، بل يصبح جزءًا من منظومة قادرة على تقليل الفاقد ورفع الجودة وزيادة العائد.
ولا يقف الأمر عند الإنتاج الخام؛ فالتعاونيات يمكن أن تكون مدخلًا مهمًا للتصنيع الزراعي ورفع القيمة المضافة، خاصة في المنتجات البستانية والحبوب والألبان واللحوم والمنتجات الريفية المتنوعة. فإذا تحوّل فائض الخضر والفواكه والمحاصيل إلى منتجات مجففة أو معبأة أو مصنعة، فإن دخل الأسر يرتفع، والفاقد يقل، وسلسلة الإنتاج تطول، وفرص العمل تتسع. كما أن إدخال المرأة الريفية والشباب في هذه الحلقات يحولهم من طاقات معطلة أو غير مرئية إلى شركاء حقيقيين في الإنتاج والدخل والأمن الغذائي.
وفي مجال الثروة الحيوانية، يمكن للتعاونيات أن تقدم خدمات لا يستطيع الراعي أو المربي الصغير توفيرها وحده: خدمات بيطرية، ومراكز أعلاف، وتحسين سلالات، وتجميع ألبان، وسلاسل تبريد، ومسالخ صغيرة، وتسويق منظم، وتصنيع أولي للألبان واللحوم والجلود والمخلفات. وحين تدخل هذه الحلقات في إطار تعاوني منضبط، فإن الثروة الحيوانية لا تبقى رقمًا كبيرًا في الإحصاءات، بل تتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية وفرص عمل ودخل مستقر.
ويمتد دور التعاونيات كذلك إلى الصناعات الريفية الصغيرة: طحن الحبوب، وتعبئة المنتجات، وتصنيع الألبان، وتجفيف الفواكه والخضر، وإنتاج الأعلاف، وصناعة الجلود البسيطة، وتدوير المخلفات، وإقامة مشروعات نسوية وشبابية متصلة بالبيئة المحلية. وهذه الصناعات الصغيرة قد تبدو محدودة في ظاهرها، لكنها حين تنتشر داخل القرى والمناطق المنتجة تصنع أثرًا كبيرًا في التشغيل، وتقليل الهجرة، ورفع قيمة المنتج المحلي.
ومن هنا فإن التعاونيات ليست مجرد وسيلة اقتصادية، بل وسيلة اجتماعية لبناء السلام. فالناس حين يشتركون في مشروع ماء، أو مخزن، أو مزرعة، أو وحدة ألبان، أو سوق محلي، فإنهم لا ينتجون سلعة فقط، بل ينتجون ثقة. والمصالح المشتركة إذا أُديرت بعدل وشفافية تقلل النزاع، وتزيد فرص الحوار، وتفتح بابًا للتعاون بدل الاحتراب. فالسلام لا يُبنى بالاتفاقات السياسية وحدها، بل يُبنى كذلك حين يجد الناس سببًا يوميًا للعيش المشترك والعمل المشترك والمصلحة المشتركة.
غير أن التعاونيات لا يجوز أن تتحول إلى واجهات حزبية أو حكومية أو قبلية. قوتها في أنها ملك لأعضائها، لا أداة في يد جهة فوقهم. والدولة الرشيدة لا تصادر التعاونيات ولا تسيّسها، بل تضع لها قانونًا عادلًا، وتوفر التدريب والرقابة والمعلومات والتمويل الميسر، وتترك لأعضائها حق الإدارة والمساءلة والاختيار. فإذا دخلت الولاءات الضيقة إلى التعاونيات، أو تحولت إلى بوابة للنفوذ المحلي، فقدت معناها وصارت جزءًا من المشكلة لا من الحل.
ومن أهم ما تحتاجه التعاونيات الحديثة أن تُبنى على الرقمنة من بدايتها. لا يكفي أن تكون هناك دفاتر ورقية لا يطلع عليها إلا قلة من الناس؛ بل ينبغي أن تكون للتعاونية سجلات أعضاء رقمية، وحسابات مصرفية واضحة، ونظام مبسط لمتابعة المساهمات والمشتريات والمبيعات والأرباح، وربط بالأسواق والمنصات التمويلية، وآليات مراجعة تمكّن الأعضاء من معرفة أين ذهبت أموالهم وكيف تحققت الأرباح أو الخسائر. فالتعاونية التي لا يعرف عضوها حسابها ليست تعاونية حقيقية، بل بنية قابلة للاختطاف باسم الناس.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمّل التعاونيات فوق طاقتها؛ فهي ليست عصا سحرية، ولا بديلًا عن الدولة الرشيدة، ولا علاجًا منفصلًا عن إصلاح البيئة العامة. فإذا كانت الطرق مدمرة، والكهرباء غائبة، والمصارف ضعيفة، وسعر الصرف مضطربًا، والرسوم متعددة، والقوانين غامضة، والأسواق غير منظمة، فإن التعاونية ستصطدم بالجدار نفسه الذي يصطدم به المنتج الفردي والمستثمر الصغير. ولذلك فإن إحياء التعاونيات يجب أن يكون جزءًا من مشروع وطني أوسع، لا مجرد مبادرة محلية معزولة.
وهنا نعود إلى الأصل الذي لن نمل من تكراره: صلاح البيئة العامة هو الركن الأكبر في كل إصلاح. فالتعاونيات لا تزدهر في بيئة ورقية مظلمة، ولا في سوق تحكمه الوساطة والاحتكار، ولا في نظام تمويل عاجز، ولا في دولة لا تعرف بيانات المنتجين ولا مسارات السلع ولا مواقع الخلل. وإذا أردنا تعاونيات حقيقية، فلا بد من حوكمة عامة، ورقمنة شاملة، ووضوح في القوانين واللوائح، وتوحيد للرسوم، وسعر صرف شفاف عبر منصة معلنة، وربط للضرائب والجمارك والمصارف والأسواق، وتسهيل للتمويل، وحماية للعقود والحقوق عبر منظومة عدلية حديثة ومترابطة.
وحين تصلح هذه البيئة، تصبح التعاونيات قادرة على جذب التمويل والشراكات، لا لأنها تطلب عونًا عاطفيًا، بل لأنها تقدم كيانًا منظمًا ذا عضوية واضحة وحسابات شفافة وخطة إنتاج وسوق معروف. والممول لا يمول الفوضى، والمستثمر لا يدخل في الغموض، والداعم لا يطمئن إلى مؤسسة لا تكشف حساباتها. أما التعاونية المحوكمة والمرقمنة والمرتبطة بالسوق، فإنها تستطيع أن تصبح قناة فعالة للتمويل المحلي والخارجي، ولبرامج التنمية، وللمسؤولية الاجتماعية، وللمبادرات الإنتاجية الكبرى.
إن السودان بعد الحرب لن ينهض بالمركز وحده، ولا بالمشروعات الكبرى وحدها، ولا بالإغاثة الطارئة وحدها، بل يحتاج إلى شبكة واسعة من المؤسسات القاعدية المنتجة، والتعاونيات من أهم هذه المؤسسات، بشرط أن تُبنى بصورة حديثة، محكومة، رقمية، شفافة، مرتبطة بالسوق والتمويل والتصنيع، ومحمية من التسييس والفساد. فهي تستطيع أن تحوّل القرية من متلقية للمساعدات إلى منتجة، والمزارع من فرد ضعيف إلى عضو في قوة تفاوضية، والمرأة الريفية من عاملة غير مرئية إلى شريكة اقتصادية، والشباب من عاطلين إلى عاملين في سلاسل إنتاج محلية.
أما إذا بقيت البيئة العامة مختلة، فستتعثر التعاونيات كما تعثرت قبلها مشروعات كثيرة؛ فالفكرة الجيدة لا تكفي وحدها، والنية الصالحة لا تغني عن النظام، والحماس لا يصنع مؤسسة. الذي يصنع النجاح هو أن تُوضع الفكرة في بيئة صحيحة، وحين تصلح البيئة تصبح التعاونيات لا مجرد وسيلة إسعاف للريف، بل بداية عملية لإنتاج أوسع، وسلام أرسخ، ودولة أقرب إلى الناس، ومن الريف تبدأ نهضة السودان.





