
ليست كل القيود التي تعطل الإنسان ظاهرةً للعين، ولا كل السجون لها أبوابٌ وحراسٌ وجدران؛ فقد يعيش المرء في فضاءٍ واسع، ويمتلك من الأسباب ما يكفيه للبدء، ثم يكون في حقيقته محاصرًا بفكرةٍ سكنت عقله، أو خوفٍ استقر في قلبه، أو عادةٍ قديمةٍ صارت عنده كأنها قانونٌ لا يُراجع.
وهذا من أخطر ما يصيب الأفراد والمؤسسات والأمم: أن يتحول الوهم إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك، والسلوك إلى واقع، ثم يأتي الناس بعد ذلك فيقولون: هذا قدرنا، وهذه حدودنا، ولا سبيل إلى غير ما نحن فيه.
والقرآن الكريم عالج هذا المعنى من جذره، حين لم يجعل التغيير متعلقًا بالظاهر وحده، بل ربطه بما في النفس أولًا، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. فليست الآية دعوةً إلى الأماني، ولا وعدًا بأن التفكير وحده يصنع النهضة، ولكنها تقرر قاعدة كبرى: أن فساد الداخل يعطل الخارج، وأن اصلاح النفسي والعقل والإرادة شرطٌ لازم لكل إصلاحٍ حقيقي في الواقع.
وقد جاءت بعض معطيات العلم الحديث مؤيدةً من زاويتها المحدودة لهذا المعنى الواسع الذي قرره الوحي من قبل. ففي علم النفس يُعرف ما يسمى بالعجز المتعلَّم، وهو أن يعتاد الإنسان الاستسلام بعد تجارب متكررة شعر فيها أنه لا يملك السيطرة على النتائج، حتى إذا فُتح له الباب بعد ذلك لم يحاول الخروج؛ لأنه لم يعد يرى الباب أصلًا. ومن الجهة الأخرى، يتحدث علم النفس عن الكفاءة الذاتية، أي إيمان الإنسان بقدرته على التأثير فيما حوله، وأن هذا الاعتقاد يؤثر في المبادرة، والمثابرة، وتحمل الصعوبات، والنهوض بعد الإخفاق. وكذلك بيّنت دراسات عقلية النمو أن من يعتقد أن قدراته قابلة للتعلم والتطوير يختلف سلوكه عمن يظن أن قدراته ثابتة مغلقة لا تتغير.
وهكذا يزداد المؤمن بصيرةً حين يرى أن بعض ما انتهت إليه التجربة الإنسانية يؤكد أن المشكلة ليست دائمًا في قلة الإمكانات، بل في الفكرة التي تمنع الإنسان من استعمال ما بين يديه من إمكانات.
ولذلك كان من أعظم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بناء نفس المؤمن قوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». ففي هذا الحديث منهج كامل: حرصٌ على النافع، واستعانةٌ بالله، ورفضٌ للعجز. فلا هو اتكالٌ كسول، ولا اندفاعٌ مغرور، بل عملٌ مؤمن، يأخذ بالأسباب، ولا يسمح للوهم أن يلبس ثوب الحكمة.
إن كثيرًا من الناس لا يمنعهم الواقع نفسه، بل تمنعهم الجملة التي يرددونها أمام الواقع: «لا يمكن». وكم من أمةٍ امتلكت الأرض والماء والمعادن والرجال، ثم بقيت فقيرةً لأنها عاشت بعقلٍ خائف، وإدارةٍ جامدة، وقوانينَ طاردة، ومؤسساتٍ تقتل المبادرة قبل أن تولد. وكم من أمةٍ بدأت قليلة الموارد، لكنها امتلكت رؤيةً وعقلًا منظمًا وإرادةً عملية، فصنعت من القليل كثيرًا، ومن الضيق مخرجًا، ومن الحاجة بابًا للابتكار. والفرق بين الحالتين ليس في الثروة وحدها، بل في العقل الذي يدير الثروة.
ومن لطائف كلام العلماء أن ابن القيم رحمه الله كان يربط بين فساد الإرادة وفساد العمل، ويرى أن العبد قد يُؤتى من ضعف همته قبل أن يُؤتى من ضعف قدرته. وهذه لفتة عظيمة؛ لأن الهمة إذا ماتت لم تنفع كثرة الوسائل، وإذا حضرت بدأت الوسائل تظهر وتتجمع وتتسخر. وقد قيل في الحكمة: «من خاف صعود الجبال عاش أبد الدهر بين الحفر». والمعنى صحيح؛ فالأمم التي تخاف كلفة النهوض تدفع كلفة السقوط مضاعفة.
والخوف ليس كله مذمومًا؛ فبعض الخوف عقلٌ واحتياط، ولكن الخطر حين يتحول الخوف إلى قيدٍ دائم، وحين تسمى الجُبنة حذرًا، والتردد حكمةً، والكسل واقعيةً، والاستسلام فهمًا للظروف. هنا لا يعود الخوف حارسًا من الخطر، بل يصبح هو الخطر نفسه.
وفي المؤسسات يظهر هذا المرض بصورة أوضح. فقد تدخل مؤسسةً فتجد فيها موظفين أذكياء، وخبرات متراكمة، وموارد لا بأس بها، لكنها لا تتقدم؛ لأن بيئتها الداخلية تعاقب السؤال، وتخاف الاقتراح، وتضيق بالمبادرة، وتعدُّ كل تفكيرٍ جديد تهديدًا للنظام القائم. وفي مثل هذه البيئة يتعلم الناس الصمت، لا لأنهم لا يعرفون، ولكن لأنهم جرّبوا فعرفوا أن الكلام مكلف، وأن المبادرة قد تُفسَّر خروجًا، وأن الخطأ في التجربة أعظم عند الإدارة من الموت البطيء بلا تجربة.
وقد بيّنت أبحاث الإدارة الحديثة أن الفرق والمؤسسات تتعلم وتبتكر حين يشعر العاملون بأن بإمكانهم السؤال، والاقتراح، والتنبيه إلى الخطأ، والمخاطرة المحسوبة دون خوفٍ من الإهانة أو العقوبة. فالمؤسسة التي تمنع الخطأ مطلقًا تمنع التعلم، والتي تمنع السؤال تمنع الاكتشاف، والتي تخنق المبادرة لا ينبغي أن تستغرب إذا جفَّ فيها الإبداع
وهذا لا يعني الفوضى، ولا فتح الباب لكل رأيٍ بلا ميزان، بل يعني أن الإدارة الراشدة لا تخلط بين الانضباط والجمود، ولا بين الهيبة وإسكات العقول، ولا بين النظام وقتل القدرة على التطوير. فالنظام الذي لا يتعلم يتحول مع الزمن إلى عبء، والقانون الذي لا يراجع يشيخ، والعادة التي لا تُختبر تصبح صنمًا إداريًا.
وفي الإسلام مساحة واسعة لهذا المعنى؛ فالشورى ليست إجراءً شكليًا، بل اعترافٌ بأن العقول تتكامل، وأن الرأي الواحد قد يحجب ما يراه غيره. والنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد بالوحي، كان يشاور أصحابه في مواضع كثيرة، لا لأنه محتاجٌ إلى عقولهم من جهة النبوة، ولكن ليبني أمةً تفكر، وتشارك، وتتحمل المسؤولية. وفي ذلك درسٌ عظيم لكل قائد ومدير ومصلح: لا تُنشئ رجالًا تابعين صامتين، بل ابنِ عقولًا حية تعرف كيف تنصح وتفكر وتعمل.
ومن أعظم القيود الذهنية في حياتنا العامة عبارة: «هكذا وجدنا الناس». وهي عبارة قديمة في مضمونها، ذمّ القرآن صورتها حين جعلها حجةً لأقوامٍ رفضوا الحق لأنهم ألفوا ما عليه آباؤهم. وليس المقصود رفض التراث أو الخبرة أو العادات النافعة، فليس كل قديم خطأ، ولا كل جديد صواب، ولكن المقصود أن العادة لا يجوز أن تتحول إلى بديلٍ عن الدليل، وأن الألفة لا يصح أن تكون حجةً على العقل، وأن ما كان مناسبًا لزمانٍ قد لا يصلح لزمانٍ تغيرت أدواته وتحدياته.
وهنا تظهر حاجة السودان، وسائر البلاد المتأخرة، إلى مراجعة شجاعة لتلك القيود الذهنية والحواجز النفسية والإدارية التي تستقر في العقول، ثم تنتقل إلى القوانين والمؤسسات وطرائق الحكم والعمل. فليس أخطر ما يعطل السودان نقص الموارد، ولا ضعف الإمكانات، ولا قسوة الظروف وحدها، وإنما ذلك الجمود العميق الذي يجعل الدولة تخاف من الإصلاح، وتتردد أمام القرارات الكبرى، وتستسلم للطرق القديمة ولو ثبت عجزها، وتظل تدور حول المشكلات بدل أن تقتحم جذورها.
ومن أبرز هذه القيود المعطِّلة: أن الإصلاح مستحيل، وأن الفساد قدر، وأن الدولة لا تتغير، وأن السوق لا ينتظم، وأن المواطن لا يتعلم، وأن التكنولوجيا لا تناسبنا، وأن الرقمنة ترف، وأن التحرير خطرٌ مطلق، وأن المبادرة الفردية لا قيمة لها، وأن كل مشروعٍ كبير لا بد أن ينتظر اكتمال الظروف.
هذه ليست أفكارًا بريئة؛ إنها قيودٌ ناعمة. قد لا تُسمع لها سلاسل، لكنها تكبل القرار، وتقتل الخيال العملي، وتمنع الأمة من أن تبدأ.
إن النهضة لا تبدأ من الوهم، ولا من الإنكار، ولا من الكلام الكبير بلا عمل، لكنها تبدأ من كسر الفكرة القاتلة، ثم بناء الفكرة الصحيحة، ثم تحويلها إلى خطة، ثم تحويل الخطة إلى نظام، ثم تحويل النظام إلى عملٍ يومي قابل للقياس والمراجعة.
ولذلك فإن أول واجب على الجميع، فردًا ومؤسسةً ودولةً، أن يبدأوا بالمراجعة الصادقة: أي فكرة تمنعنا من المحاولة؟ أي خوفٍ ألبسناه لباس الحكمة؟ أي عادةٍ ورثناها ثم صارت عندنا قانونًا لا نراجعه؟ هل نعاقب المبادرة أم نرعاها؟ هل نسمع التنبيه المبكر أم نغضب من صاحبه؟ هل نملك نظامًا يتعلم من الخطأ أم ندفن الخطأ حتى يكبر؟ هل العائق الحقيقي في قلة الموارد فقط، أم في سوء إدارة الموارد؟ هل المشكلة في ضعف الشعب، أم في ضعف البيئة التي تحرر طاقته؟ هل ننتظر النهضة من الخارج، أم نكسر أولًا القيود التي صنعناها بأيدينا في القوانين والإدارة والاقتصاد والتعليم؟
إن العائق المادي إذا ظهر أمكن قياسه ومعالجته، أما الفكرة الخاطئة إذا استقرت في العقل فلا يزيلها إلا وعيٌ صادق، وعلمٌ نافع، وشجاعةٌ في المراجعة، وإرادةٌ لا تكتفي بالشكوى. ولهذا كانت معركة الأفكار أسبق من معركة المباني والمصانع والطرق؛ لأن الطريق قبل أن يُعبَّد في الأرض، يُفتح في العقل.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد الاعتبار لحقيقةٍ قرآنيةٍ ونبويةٍ وعمليةٍ جامعة: أن الإنسان ليس مأمورًا بالنجاح المضمون، ولكنه مأمور بالسعي الرشيد؛ وأن الأمة لا تُسأل أن تمتلك كل شيء قبل أن تبدأ، ولكنها تُسأل أن تكسر عجزها، وتستعمل ما عندها، وتتعلم مما حولها، وتراجع ما ورثته من أوهام.
فالنهضة لا يولدها عقلٌ يقول دائمًا: لا يمكن. ولا تصنعها مؤسسةٌ تخاف من السؤال. ولا تبنيها دولةٌ تقدس العادة وتخشى الإصلاح.
إنما تبدأ النهضة حين يجرؤ الإنسان على مراجعة فكرته الأولى، وحين تكف المؤسسة عن معاقبة العقول الحية ، وحين تدرك الدولة أن أخطر العوائق ليست تلك التي تحيط بالمدن، بل تلك التي تصنعها السياسات والعادات والمخاوف داخل العقول.
ومن حرر عقله من وهمٍ معطِّل، فتح الله له من أبواب الواقع ما لم يكن يخطر له على بال.





