
لا حديث هذه الأيام سوى أزمة الاقتصاد وتراجُع قيمة الجنيه، وهو ما رسم واقعاً يسوده الضبابية. وفي غمرة الأزمات، فإن التحركات الحكومية لم تهدأ لوضع معالجات سريعة لوقف تدهور العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، حيث عقد وزير المالية د. جبريل إبراهيم اجتماعاً مع فريقه المكلف بوضع حلول للتحديات الاقتصادية.
وشدد الاجتماع على ضرورة تكثيف الجهود لتنظيم قطاعي الذهب والمشتقات البترولية، باعتبارهما الأكثر تأثيراً على استقرار سعر الصرف، وذلك عبر إحكام الرقابة وضمان توريد الحصائل بالكامل إلى القنوات الرسمية، بما يسهم في تقليل الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.
كما دعا الاجتماع إلى تحفيز الإنتاج المحلي وتشجيع الصناعات الوطنية والتحول من تصدير المواد الخام إلى رفع القيمة المضافة، بما يقلل من فاتورة الواردات الاستهلاكية ويعزز تدفق النقد الأجنبي عبر تنويع الصادرات.
وأكد الفريق أهمية وضع أطر رقابية وتنظيمية واضحة لعمليات تجارة الحدود لضمان تدفقها بما يخدم استقرار السوق، مع الحد من الأنشطة غير الرسمية التي تؤثر سلباً على سعر الصرف. كما شدد على ضرورة تحقيق التوازن في الميزان التجاري عبر إحلال الواردات وتفعيل سياسات تشجيعية للمصدرين تضمن انسياب العائدات بصورة منتظمة.
كما أكد فريق العمل المكلف بوضع معالجات عاجلة للتحديات الاقتصادية المرتبطة بملف الصادرات والواردات، برئاسة وزير المالية د. جبريل إبراهيم، أن استقرار سعر الصرف يظل مرتبطاً بصورة وثيقة بإصلاح الاقتصاد الكلي وتعزيز التنسيق بين السياسات النقدية والمالية، إلى جانب دعم الإنتاج الحقيقي باعتباره الركيزة الأساسية لأي استقرار مستدام.
اتصالات
بالمقابل، بدأ بنك السودان المركزي تحركاً تنسيقياً واسعاً مع القطاع المصرفي، عقب اتصالات مباشرة أجرتها المحافظ آمنة ميرغني مع البنوك التجارية العاملة في البلاد لحصر حجم الحوجة الفعلية والآنية من العملات الأجنبية.
ويأتي هذا التحرك في إطار خطة البنك المركزي الرامية إلى تأمين النقد الأجنبي للمواطنين والقطاعات الإنتاجية، عبر ضخ السيولة الأجنبية في القنوات الرسمية بناءً على مؤشرات دقيقة ومدروسة.
ويهدف التواصل المباشر بين البنك المركزي والمصارف إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها حصر الطلب الحقيقي على العملات الأجنبية عبر فرز وتحديد الاحتياجات الفعلية للبنوك التجارية، وضمان توجيه النقد الأجنبي نحو القطاعات الأكثر إلحاحاً في تلبية احتياجات المواطنين والأسواق. كما يسعى البنك إلى تعزيز الشفافية في إدارة ملف النقد الأجنبي، بما يضمن استقرار السوق وتقليل الاعتماد على القنوات غير الرسمية.
ولاقت الخطوة ارتياحاً واسعاً في الأوساط المالية والاقتصادية، حيث اعتبر خبراء أن التحرك يعكس نشاطاً متقدماً للبنك المركزي في إدارة ملف النقد الأجنبي بآليات مرنة تعتمد على الشراكة المباشرة مع المصارف التجارية، بدلاً من الاكتفاء بالقرارات الفوقية.
ويرى محللون أن هذا النهج قد يسهم في تحسين تدفقات النقد الأجنبي وتعزيز قدرة المصارف على تلبية الطلب الحقيقي، بما يدعم استقرار الاقتصاد الوطني.
تحرّكات
وفي تقدير الخبير الاقتصادي المعروف د. أسامة محمد عبد الرحيم، تمثل التحركات التي أُعلن عنها خلال الساعات الماضية، والمتعلقة ببدء تنسيق مباشر مع المصارف التجارية لحصر الاحتياجات الفعلية من العملات الأجنبية، بالتزامن مع الاجتماعات التي يقودها الفريق الاقتصادي الحكومي برئاسة وزير المالية لمعالجة أزمة سعر الصرف، تمثل تطوراً مهماً في طريقة تعامل الدولة مع الملف الاقتصادي، وتعكس إدراكاً متزايداً لدى المؤسسات الرسمية بأن الأزمة الحالية لم تعد مجرد تذبذب طبيعي في سوق العملات، وإنما أصبحت أزمة مركبة تمس جوهر الاستقرار الاقتصادي للدولة السودانية.
أضاف أسامة، خلال السنوات الماضية، اعتادت الحكومات السودانية التعامل مع أزمة سعر الصرف عبر إجراءات جزئية ومؤقتة، تركز غالباً على الجانب النقدي وحده، سواء عبر ضخ محدود للعملات الأجنبية أو إصدار قرارات تنظيمية متفرقة، دون التوجه بصورة جادة نحو معالجة الأسباب الهيكلية العميقة التي ظلت تقود بصورة متكررة إلى تراجع
قيمة الجنيه السوداني وازدياد الاعتماد على السوق الموازي.
ولذلك، فإن أهمية ما يجري الآن تكمن في أن البنك المركزي بدأ لأول مرة منذ فترة طويلة في التحرك عبر آلية أكثر مباشرة وواقعية، تقوم على التواصل مع المصارف التجارية نفسها لتحديد حجم الطلب الحقيقي على النقد الأجنبي، بما يسمح ببناء سياسات تستند إلى بيانات واقعية بدلاً من القرارات المعزولة عن حركة السوق الفعلية.
معالجات
ويرى الخبير الاقتصادي د. أسامة أنه من المهم التأكيد على أن أي محاولة لضخ الدولار في السوق الرسمي، رغم أهميتها في المدى القصير، لن تكون وحدها كافية لتحقيق استقرار دائم في سعر الصرف، فالأزمة الاقتصادية السودانية ليست في جوهرها أزمة سيولة نقدية فقط، وإنما هي انعكاس لاختلالات هيكلية تراكمت لعقود طويلة، تشمل ضعف الإنتاج المحلي، والاعتماد المفرط على الواردات، وتراجع الصادرات ذات القيمة المضافة، إضافة إلى اتساع الاقتصاد غير الرسمي الذي يعمل خارج سيطرة الدولة ومؤسساتها الرقابية.
وأكمل محدّثي، في تقديري، ما نشهده الآن يمثل بداية صحيحة ومطلوبة، لكنه ليس نهاية الأزمة. فنجاح هذه الإجراءات سيتوقف على قدرة الدولة على الانتقال من سياسة إدارة الأزمات اليومية إلى مشروع اقتصادي متكامل يعالج جذور الاختلالات القديمة، لأن التجربة السودانية خلال العقود الماضية أثبتت بوضوح أن استقرار العملة الوطنية لا يتحقق بقرارات نقدية فقط، وإنما يتحقق عندما تنجح الدولة نفسها في إدارة اقتصادها بكفاءة، وحماية مواردها، وفرض سيادتها الكاملة على الدورة الاقتصادية الوطنية.
تابع، إن معركة استقرار الجنيه السوداني، في جوهرها، ليست معركة مصرفية فقط، بل هي معركة دولة كاملة تحاول استعادة قدرتها على إدارة اقتصادها وحماية سيادتها الاقتصادية بعد سنوات طويلة من الاختلالات والتشوهات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.
المصدر | صحيفة الكرامة





