مقالات

سرّ تخلف السودان… ومفتاح الحل بين أيديكم يا سيادة البرهان ود. كامل إدريس

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ليس سرّ تخلف السودان في قلة موارده، ولا في ضيق أرضه، ولا في ندرة مياهه، ولا في فقر إنسانه، ولا في غياب موقعه، ولا في انعدام فرصه. فالسودان من أكثر بلاد المنطقة امتلاكًا لأسباب النهضة: أرض واسعة، ومياه ظاهرة وجوفية، وثروة حيوانية ضخمة، ومعادن، وذهب، وصمغ عربي، وقطن، وحبوب زيتية، وموقع يربط بين أفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر، وشعب قادر على العمل والإبداع متى وجد البيئة التي تطلق طاقته. ومع ذلك ظل السودان يتأخر، ويتعثر، ويدور في حلقات متكررة من الأزمات. وهنا يبرز السؤال الأكبر: لماذا يتخلف بلد يملك كل هذه الممكنات؟

والحقيقة أن الجواب ليس في نقص الموارد، بل في فساد البيئة العامة التي تعمل داخلها الدولة والاقتصاد والمجتمع. فالموارد وحدها لا تصنع نهضة إذا وُضعت في بيئة مختلة؛ والأرض الخصبة لا تكفي إذا خنقتها الجبايات وضعف التمويل وغياب الطرق والطاقة؛ والذهب لا ينفع الدولة إذا هرب إلى الخارج أو دخل في سوق الظلام؛ والمغترب لا

يحول أمواله عبر المصارف إذا وجد فرقًا في السعر وضعفًا في الثقة وقيودًا في السحب والتصرف؛ والمستثمر لا يدخل إذا خاف على ماله من تقلب السياسات وبطء الإجراءات وغموض القنوات العدلية والتنفيذية؛ والمواطن لا ينتج إذا شعر أن ثمرة جهده ستضيع بين التضخم والرسوم والاضطراب.

فساد البيئة العامة يعني أن يعمل الجميع داخل نظام غير مشجع على الإنتاج ولا مطمئن للمال ولا عادل في المنافسة ولا واضح في القواعد. يعني أن يواجه المنتج رسومًا متعددة، وإجراءات بطيئة، وسعر صرف مشوهًا، وتمويلًا ضعيفًا، وطاقة مضطربة، وطرقًا غير صالحة، وسوقًا لا تحكمه الشفافية. ويعني أن يجد الطفيلي والوسيط والمحتكر والمهرب فرصتهم أكثر مما يجدها المنتج والمصدر والمستثمر الجاد. وحين تصير بيئة النشاط نفسها معاقبة للجاد ومكافئة للملتوي، فإن التخلف لا يكون عجبًا، بل نتيجة طبيعية.

ومن هنا نفهم لماذا فشلت كثير من المحاولات الجزئية. فقد تُنشأ مؤسسة جديدة، أو يُعلن مشروع كبير، أو تُرفع شعارات الإنتاج، أو تُطلق مناشدات للمغتربين، أو تُشن حملات ضد التهريب، أو تُطلب ودائع خارجية، ثم لا يتغير الأصل؛ لأن البيئة التي صنعت الأزمة ما زالت كما هي. فإذا دخل المال في بيئة مضطربة ذاب فيها، وإذا جاءت الوديعة من الخارج استهلكتها السوق المريضة، وإذا زادت الجبايات هرب النشاط، وإذا طورد التهريب دون إصلاح أسبابه عاد من طريق آخر، وإذا نودي على المغترب دون بناء الثقة بقي ماله حيث يجد الأمان والعائد والحرية.

ولذلك فإن أول أسرار النهضة ليس أن نبحث عن مورد جديد، بل أن نصلح البيئة التي تجعل الموارد الحالية منتجة. فالسودان لا يحتاج فقط إلى طريق هنا أو محطة كهرباء هناك أو بورصة ذهب أو مؤسسة صادرات أو قرار طارئ، بل يحتاج قبل ذلك ومعه إلى حزمة إصلاح عامة تعيد ترتيب قواعد اللعبة كلها. يحتاج إلى دولة قوية بالقانون لا بالتدخل التجاري، دولة منظمة ورقابية لا تاجرًا أكبر، دولة تعرف حقها وتحصله بعدل وشفافية، وتترك للناس حرية الإنتاج والتجارة والاستثمار في ظل قواعد واضحة ومنافسة عادلة.

ومن هنا، يا سيادة البرهان ود. كامل إدريس، فإن السؤال لم يعد سؤال تشخيصٍ فقط، بل سؤال قرار. فالمرض الأكبر ظاهر، ومفتاح العلاج واضح، وما يحتاجه السودان الآن ليس مزيدًا من الوعود ولا مزيدًا من التجارب الجزئية، بل إرادة عليا تجعل إصلاح البيئة العامة مشروع الدولة الأول، لا ملفًا هامشيًا بين الملفات.

وهذا ما تؤكده تجارب الأمم؛ فهناك دول لا تكاد تملك من الموارد الطبيعية شيئًا كثيرًا، لكنها حين أسست بيئة عامة صالحة من قانون مستقر، ومؤسسات فاعلة، وشفافية، وتعليم، وانفتاح اقتصادي، وحوكمة، ورقمنة، وحماية للملكية، ومنافسة عادلة، نهضت بقوة وصارت ذات شأن في الاقتصاد والتجارة والصناعة والخدمات. وفي المقابل، هناك دول تملك موارد ريعية ضخمة وسهلة، من نفط أو معادن أو غيرها، ومع ذلك تعاني شعوبها من الفقر والمسغبة وضعف الخدمات؛ لأن البيئة العامة فيها مختلة، فتتحول الموارد من نعمة إلى باب للفساد والاحتكار والصراع وسوء الإدارة. فالعبرة ليست بما تحت الأرض وحده، بل بما فوق الأرض من قانون ومؤسسات وعقل إداري رشيد.

والصواب أن يُشرع في تنفيذ هذه الحزمة الإصلاحية كلها في وقت واحد وبصورة متوازية، لا على نحوٍ متتالٍ ينتظر فيه كل إصلاح اكتمال غيره؛ لأن عناصر هذه الحزمة متساندة بطبيعتها، كل واحد منها يعضد الآخر ويقويه ويسرّع أثره. فتحرير سعر الصرف لا يثمر ثمرته الكاملة من غير رقمنة ومصارف موثوقة وضبط للصادر، والرقمنة لا تؤدي غايتها من غير قانون نافذ ومؤسسات منضبطة، وتبسيط الرسوم لا يكفي من غير حماية المنافسة ومنع الاحتكار، وجذب الاستثمار لا يتحقق من غير أجهزة عدلية

مُمكَّنة ومترابطة، وسعر صرف واضح، وحرية منضبطة لحركة المال. ومن هنا فإن الإصلاح المتوازي لا يبعثر الجهد، بل يصنع اتساق النهضة، ويحوّل الإجراءات المتفرقة إلى موجة واحدة تدفع الدولة كلها في اتجاه البناء.
وتتنزل هذه الحزمة الإصلاحية كلها بالتوازي، لا بالتتالي؛ لأنها ليست درجات منفصلة يصعد بعضها بعد بعض، بل منظومة واحدة يشدّ بعضها بعضًا. فهي تشمل الأمن وسيادة القانون، فلا إنتاج بلا أمن، ولا استثمار بلا حماية، ولا عقد بلا ضمان، ولا ملكية بلا سجل موثوق، ولا تجارة بلا قانون نافذ. وتشمل إصلاح سعر الصرف عبر تحرير شفاف ومنظم

ومنصة معلنة للبنوك والصرافات وفق العرض والطلب، حتى يخرج الاقتصاد من تعدد الأسعار وظلام السوق الموازي إلى وضوح السعر وعدالة المنافسة. وتشمل الرقمنة الشاملة للجمارك والضرائب والسجل التجاري والعقاري والمصارف والتحويلات والصادر والوارد، حتى تعرف الدولة حقها، وتضيق أبواب الفساد، وتنكشف الازدواجية، ويصبح المواطن والمستثمر أمام إجراء واضح لا أمام مزاج موظف أو نفوذ وسيط.

وتشمل كذلك توحيد الرسوم والجبايات وتبسيطها، حتى لا يتحول الإنتاج والتجارة إلى عبء يدفع الناس إلى السوق الموازي والتهريب. وتشمل حماية المنافسة ومنع الاحتكار، لأن اقتصادًا تسيطر عليه قلة من أصحاب الامتياز والمعلومة والقرب من القرار لا يمكن أن ينهض، سواء جاءت هذه القلة من القطاع الخاص الطفيلي أو من مؤسسات حكومية تحولت إلى تجار محميين. وتشمل إصلاح المصارف

والتحويلات، حتى تعود الثقة إلى القنوات الرسمية، ويدخل مال المغترب والمصدر والمستثمر في الضوء لا في الظلام. وتشمل كذلك توفير كل معينات الأجهزة العدلية، وربطها رقميًا بعضها ببعض، وربطها بالمواطن والمستثمر، حتى تصبح إجراءات التقاضي والتوثيق والتنفيذ والبلاغات والطعون أكثر وضوحًا وسرعة وعدلًا، وتُحمى الحقوق والعقود والملكية في إطار مؤسسي حديث، لا يترك الناس أسرى البطء أو الغموض أو تباعد المؤسسات.

ولأن إصلاح البيئة العامة ليس ملفًا قطاعيًا محدودًا، بل حزمة عابرة لكل أجهزة الدولة، فإن من الأوفق ألا يُترك مشتتًا بين الوزارات والهيئات، ولا أن يتحول إلى وزارة جديدة تضيف عبئًا إداريًا إلى جهاز مترهل أصلًا. وإنما الأوفق إنشاء مجلس أو مفوضية عليا لإصلاح البيئة العامة والحوكمة والرقمنة، تتبع مجلس السيادة أو مجلس الوزراء مباشرة، وتملك صلاحية التنسيق والإلزام والمتابعة وقياس الأداء، وتعمل على تنزيل الحزمة الإصلاحية في وقت واحد: سعر الصرف، والرقمنة، والضرائب والجمارك، والرسوم

والجبايات، والاستثمار، وتوفير معينات الأجهزة العدلية وربطها رقميًا بعضها ببعض وبالمواطن، وحماية المنافسة، وتسهيل التحويلات، وضبط الصادر والوارد. فالمطلوب ليس وزارة جديدة باسم جميل، بل ذراع إصلاحي مركزي قوي يربط الدولة كلها بخطة واحدة، ومواعيد محددة، ومؤشرات معلنة، ومساءلة لا تستثني أحدًا. وسيكون إنشاء هذا المجلس أو هذه المفوضية من أعظم ما يُهدى إلى السودان في هذه اللحظة المفصلية، لا سيما إذا أُوكلت إلى قلة مختارة من العلماء والخبراء وأصحاب الهمة، ممن يجمعون بين العلم والنزاهة وسرعة الحركة وحسن التدبير وإحكام التنفيذ.

إن الفرصة بين أيديكم اليوم، لا لأن الطريق سهل، بل لأن أصل الحل صار واضحًا: أن تُنزَّل الحزمة الإصلاحية كلها في وقت واحد، وأن تُربط أجهزة الدولة بخطة واحدة، وأن تُمنح الصلاحيات لمن يعرفون ويفعلون، لا لمن يطيلون الاجتماعات ويؤجلون القرار.

أما البنية التحتية المادية والخدمية الكبرى، من كهرباء ومياه وطرق وموانئ وسكك حديدية واتصالات وصحة وتعليم وصرف صحي وتمويل، فإنها ستأتي نتيجة حتمية لصلاح البيئة العامة؛ لأن البيئة الرشيدة هي التي تجلب التمويل وتطمئن المستثمر وتفتح أبواب الشراكات. وحين تستقر القوانين، ويتضح سعر الصرف، وتتوحد الرسوم، وتُرقمن الإجراءات، وتُحمى العقود والملكية، وتتسع المنافسة، يصبح تمويل البنى التحتية ممكنًا بشتى صوره:

عبر الدولة في بعض المشروعات السيادية، أو بالشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في مشروعات كبرى، أو بانفراد القطاع الخاص في مشروعات إنتاجية وخدمية قابلة للاستثمار، أو عبر صيغ البناء والتشغيل والتحويل BOT وغيرها من صيغ التمويل الحديثة. وبذلك لا تبقى البنية التحتية حلمًا على الورق أو عبئًا على الخزينة، بل تتحول إلى ثمرة طبيعية لبيئة سليمة تجعل الطريق والكهرباء والميناء والري والتخزين والصناعة والصحة والتعليم مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ والاستدامة.

ومن فساد البيئة العامة أن يُطلب من الناس الإنتاج بينما شروط الإنتاج نفسها غائبة. فلا يكفي أن نقول للمزارع ازرع، وللصانع اصنع، وللمعدّن أنتج، وللمصدر صدّر. يجب أن نسأل: هل يجد هؤلاء تمويلًا؟ هل يجدون كهرباء؟ هل يجدون طريقًا؟ هل يجدون سوقًا عادلًا؟ هل يجدون سعر صرف واضحًا؟ هل يجدون حماية من الجبايات والمضاربة والاحتكار؟ فإذا لم يجدوا ذلك، فإن مطالبتهم بالإنتاج لا تعدو أن تكون شعارًا. أما إذا صلحت البيئة، فإن الإنتاج يتحرك من تلقاء نفسه، لأن الناس بطبعهم يذهبون إلى العمل حيث يجدون الأمان والجدوى والربح.

ومن هنا يظهر أن فساد البيئة العامة لا يضر الدولة وحدها، بل يضر الشعب كله. فهو يرفع الأسعار، ويضعف الجنيه، ويطرد الاستثمار، ويقلل فرص العمل، ويزيد الهجرة، ويدفع المغترب إلى القنوات غير الرسمية، ويجعل المنتج عاجزًا، ويجعل المواطن يدفع ثمن الفوضى في كل سلعة وخدمة. أما صلاح البيئة العامة فإنه يغني الدولة والشعب معًا؛ فالدولة تحصل مواردها من اقتصاد واسع لا من تضييق على نشاط ضيق، والشعب يجد العمل والسلعة والخدمة والاستقرار، والمستثمر يجد الفرصة، والمغترب يجد الثقة، والمنتج يجد الطريق.

ولا يعني هذا أن الإصلاح سيزيل المعاناة فورًا، فالأزمات التي تراكمت عبر عقود وزادتها الحرب قسوة لا تزول في أيام. لكن الطريق الصحيح يبدأ حين تعترف الدولة بأن أصل المرض ليس في عرضٍ واحد من أعراض الأزمة، بل في البيئة التي تُنتج كل هذه الأعراض. السير في الإصلاح الجاد، ولو ظهرت ثماره تدريجًا، خير بلا شك من ترك الخلل يتصاعد حتى يفضي إلى هلاك اقتصادي واجتماعي شامل. فالتأخر في الإصلاح لا يحفظ الاستقرار، بل يجعل كلفة العلاج أعلى، ووجعه أشد، ونتائجه أبعد.

إن سرّ تخلف السودان ليس غموضًا محيرًا. إنه فساد البيئة العامة: غياب الحوكمة، ضعف الرقمنة، اضطراب سعر الصرف، كثرة الجبايات، ضعف الثقة، بطء الإجراءات، غموض السياسات، حماية الاحتكار، ومكافأة النشاط الطفيلي على حساب الإنتاج. فإذا أُصلحت هذه البيئة، بدأ السودان يستدعي طاقته الكامنة؛ يعود الذهب إلى القنوات الرسمية، وتتحرك الصادرات، وتدخل التحويلات، ويقترب المستثمرون، ويتحرك التمويل نحو البنى التحتية الكبرى، ويتحول الريف إلى إنتاج، والموارد إلى صناعة، والسوق إلى ثقة.

يا سيادة البرهان ود. كامل إدريس، إن السودان لا ينتظر معجزة من الخارج، ولا هبة عابرة، ولا وديعة تذوب في سوق مختل، بل ينتظر قرارًا شجاعًا بإصلاح البيئة التي جعلت موارده الغنية فقيرة الأثر. فإن بدأتم من هنا، فقد وضعتم أيديكم على الجذر، لا على الورق المتساقط من الشجرة.

فالنهضة لا تبدأ من النداءات ولا من الشعارات ولا من انتظار الخارج، وإنما تبدأ من إصلاح الداخل. والسودان لا يحتاج إلى معجزة لكي ينهض، بل يحتاج إلى بيئة عامة صالحة تطلق ما لديه أصلًا من موارد وطاقات. فإذا صلحت هذه البيئة، صار ما نملكه من أرض وماء وذهب وثروة حيوانية وموقع وإنسان بداية نهضة حقيقية. أما إذا بقيت البيئة فاسدة، فستظل الموارد نفسها شاهدة على مفارقة مؤلمة: بلد غني الممكنات، فقير النتائج.

ومن هنا فإن أعظم مشروع وطني اليوم ليس مشروعًا منفردًا في قطاع واحد، ولا طريقًا وحده، ولا محطة كهرباء وحدها، ولا ميناء وحده، بل إصلاح البيئة العامة التي تجعل كل مشروع ممكنًا ونافعًا ومستدامًا. أصلحوا القانون، وسعر الصرف، والرقمنة، والرسوم، والمصارف، والتجارة،

والمنافسة، ووفروا للأجهزة العدلية معيناتها وربطها الحديث بالمواطن ومؤسسات الدولة، تروا كيف تبدأ البنية التحتية نفسها في الظهور نتيجةً طبيعية لهذا الإصلاح، وكيف يتحرك التمويل نحو الطرق والكهرباء والموانئ والري والتخزين والصناعة والصحة والتعليم. فسر التخلف هو فساد البيئة العامة، وسر النهضة هو صلاحها، ومفتاح الحل ـ بعد الله ـ بين أيديكم.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى