مهندس الصادق عباس نجّار يكتب | الهجرة الثانية: من آثار الحرب إلى صناعة المستقبل

يحل علينا عام هجري جديد، في وقت يمر فيه السودان بمرحلة فارقة من تاريخه الحديث.
ومع كل عام هجري، تستحضر الذاكرة حدث الهجرة النبوية باعتباره نقطة تحول كبرى في مسار أمة؛ انتقالًا من واقع صعب إلى أفق جديد، ومن مرحلة مواجهة التحديات إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع.
ولعل القيمة الأعمق للهجرة لم تكن في الانتقال المكاني وحده، بل في القدرة على تحويل المحنة إلى مشروع، وتحويل الأمل إلى عمل منظم.
واليوم، وبينما يواصل السودان مساره نحو التعافي واستعادة الاستقرار، تبرز حاجة مماثلة إلى نوع آخر من الهجرة.
ليست هجرة من وطن إلى وطن، بل هجرة من ثقافة الأزمة إلى ثقافة البناء.
فخلال سنوات الحرب، انشغل الجميع بأسئلة البقاء:
كيف نحافظ على المؤسسات؟
كيف نحمي الخدمات؟
كيف نتعامل مع التحديات اليومية؟
وكان ذلك طبيعيًا ومطلوبًا.
لكن المرحلة المقبلة تفرض أسئلة مختلفة:
كيف نعيد تشغيل ما تعطل؟
كيف نرفع كفاءة مؤسساتنا؟
كيف نحول مواردنا إلى قيمة مضافة؟
وكيف نبني مدنًا أكثر قدرة على الحياة والاستدامة؟
في هذا السياق، يصبح التعافي الحقيقي أكثر من مجرد إصلاح للأضرار.
إنه عملية إعادة تنظيم للعلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الموارد والمؤسسات، وبين الحاضر والمستقبل.
فإعادة الإعمار ليست فقط إعادة ما تهدم، وإنما بناء ما كان ينبغي أن يكون.
ولهذا فإن نجاح المرحلة القادمة لن يُقاس بعدد المشروعات التي تُنفذ، بل بقدرتنا على بناء مؤسسات أكثر كفاءة، ومدن أكثر إنتاجية، وخدمات أكثر استدامة.
ومن واقع التجارب الدولية، فإن المجتمعات التي نجحت في تجاوز آثار الحروب لم تعتمد على التمويل وحده، بل على وضوح الرؤية، وانضباط التنفيذ، وثقة المواطنين في مستقبل يمكن البناء عليه.
والسودان يمتلك اليوم عناصر مهمة للانطلاق:
إرادة شعبية للحياة،
ومؤسسات تعمل على استعادة دورها،
وكفاءات مهنية قادرة على الإسهام في إعادة البناء.
ويبقى التحدي في تحويل هذه العناصر إلى مشروع متكامل، تتحرك فيه الدولة والمجتمع والقطاع الخاص في اتجاه واحد.
ومع بداية هذا العام الهجري، ربما يكون من المناسب أن نتأمل معنى الهجرة بصورة أوسع.
فكل مرحلة وطنية كبرى تحتاج إلى هجرة من نوع ما:
هجرة من التردد إلى المبادرة،
ومن رد الفعل إلى التخطيط،
ومن إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية.
هذه هي الهجرة التي يحتاجها السودان اليوم.
أما التفاصيل التنفيذية، فستختلف من قطاع إلى آخر، ومن مؤسسة إلى أخرى، لكن الاتجاه العام يبقى واحدًا:
الانتقال من استعادة ما فقدناه إلى بناء ما نستحقه.
نسأل الله أن يكون العام الهجري الجديد عام أمن واستقرار وتعافٍ للسودان، وأن يوفق أبناءه جميعًا للإسهام في بناء مستقبل يليق بتاريخه وإمكاناته.
وكل عام وأنتم بخير.





