
في كل مرحلة تمر بها المجتمعات تبرز تحديات جديدة تفرض نفسها على الواقع وتحتاج إلى مؤسسات ولجان تمتلك القدرة على المواجهة والحسم وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها بلادنا وما خلفته الحرب من آثار اجتماعية واقتصادية وأمنية أصبحت مسؤولية الحفاظ على الأمن المجتمعي أكثر تعقيداً وأشد أهمية من أي وقت مضى.
ومن بين الجهات التي تحملت هذا العبء الكبير برزت لجنة الظواهر السالبة بولاية شمال كردفان وهي تخوض معركة يومية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى لأن نتائجها ترتبط مباشرة بأمن المواطن واستقرار المجتمع وحماية الأجيال القادمة من مخاطر كثيرة قد تبدأ صغيرة ثم تتحول إلى ظواهر تهدد المجتمع بأكمله.
إن الظواهر السالبة ليست مجرد مخالفات عابرة أو سلوكيات فردية يمكن التغاضي عنها بل هي مؤشرات خطيرة إذا لم تتم معالجتها في وقتها فإنها تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها فالتفلتات الأمنية وانتشار المخدرات والتعديات على المرافق العامة والسلوكيات الدخيلة على مجتمعنا كلها تمثل تهديداً حقياً لمنظومة القيم والأخلاق التي ظلت تميز إنسان شمال كردفان عبر العقود.
ولعل أخطر ما في هذه الظواهر أنها تتسلل إلى المجتمع بهدوء مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة والتحديات التي فرضتها الحرب لتجد لها موطئ قدم بين الشباب والأحياء والأسواق ولذلك فإن مواجهتها تتطلب يقظة مستمرة وعملاً ميدانياً منظماً وهو ما ظلت تقوم به لجنة الظواهر السالبة من خلال حملاتها المتواصلة وتحركاتها الميدانية الرامية إلى حفظ النظام العام وبسط هيبة القانون.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تتهاون مع الظواهر السالبة تدفع ثمناً باهظاً لاحقاً فالجريمة لا تبدأ كبيرة وإنما تبدأ بخطوات صغيرة تجد من يغض الطرف عنها حتى تستفحل وتصبح واقعاً مؤلماً ومن هنا تأتي أهمية العمل الاستباقي الذي تقوم به اللجنة لأنها لا تنتظر وقوع الكارثة بل تعمل على منع أسبابها ومعالجة جذورها قبل أن تتفاقم.
ومن الإنصاف القول إن لجنة الظواهر السالبة بشمال كردفان تعمل في ظروف ليست سهلة فحجم المسؤولية كبير والتحديات متعددة والموارد مهما بلغت تظل أقل من حجم المطلوب ومع ذلك فإن ما يبعث على التقدير هو الإصرار على أداء الواجب والنزول إلى الميدان والتعامل المباشر مع القضايا التي تمس حياة المواطنين اليومية.
ولأن الأمن مسؤولية جماعية فإن نجاح اللجنة لا يعتمد على جهود أعضائها وحدهم بل يحتاج إلى شراكة حقيقية مع المجتمع. فالمواطن هو العين التي ترى والأسرة هي الحصن الأول في مواجهة الانحراف والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام كلها أدوات أساسية في بناء الوعي ومحاصرة الظواهر السالبة قبل أن تتحول إلى خطر داهم.
كما أن الدور التوعوي لا يقل أهمية عن الدور الرقابي فالقانون وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه وعي مجتمعي راسخ وما أحوجنا اليوم إلى حملات توعوية واسعة تستهدف الشباب على وجه الخصوص وتحصنهم من الوقوع في براثن المخدرات والجريمة والسلوكيات التي تهدد مستقبلهم ومستقبل الوطن.
إن ولاية شمال كردفان عُرفت دائماً بأنها ولاية التعايش والتسامح والترابط الاجتماعي وهي قيم أصيلة ينبغي المحافظة عليها والدفاع عنها بكل الوسائل الممكنة ومن هنا فإن عمل لجنة الظواهر السالبة لا يمثل مجرد تنفيذ لمهام إدارية أو أمنية بل يمثل دفاعاً عن هوية المجتمع وقيمه وأخلاقه وموروثه الاجتماعي الذي ظل مصدر فخر لأبنائه.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل للجميع هي أن حماية المجتمع ليست مهمة جهة واحدة بل هي مسؤولية الجميع فكل مواطن يلتزم بالقانون وكل أسرة تربي أبناءها على القيم الفاضلة وكل إعلامي يسلط الضوء على القضايا المجتمعية بوعي ومسؤولية يسهم بصورة مباشرة في دعم الجهود الرامية إلى مكافحة الظواهر السالبة.
فاصلة
التحية للجنة الظواهر السالبة بشمال كردفان برئاسة العقيدشرطة محمدجمعة رئيس
وهي تخوض هذه المعركة الصامتة دفاعاً عن أمن المجتمع واستقراره. والتحية لكل من يؤمن بأن هيبة القانون ليست ترفاً بل ضرورة لبقاء الأوطان واستقرارها فالمجتمعات لا تنهار بسبب الحروب وحدها وإنما قد تنهار أيضاً عندما تتراجع قيم الانضباط ويغيب الإحساس بالمسؤولية.
وإذا كانت الحرب قد فرضت على الناس تحديات كبيرة فإن الحفاظ على تماسك المجتمع وحماية شبابه من الظواهر السالبة يظل واجباً وطنياً لا يقبل التأجيل وستظل كل خطوة تخطوها لجنة الظواهر السالبة نحو مجتمع أكثر أمناً واستقراراً خطوة في الاتجاه الصحيح تستحق الدعم والمساندة والتقدير، لأن الأمن يبدأ من الشارع ومن الحي ومن الإنسان نفسه قبل أن يكون قراراً أو إجراءً رسمياً.
اللهم أمنا في أوطاننا





