
في مناطق المناصير، لا يأتي الصيف وحده.
يأتي معه الخوف، والسهر الطويل، وقلق الأمهات على أطفال ينامون في بيوت بسيطة مفتوحة على الأرض والحرارة والقدر. هناك، حين ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قاسية، تخرج العقارب السامة من جحورها هرباً من لهيب الرمال، فتدخل القرى والمنازل بحثاً عن ظل يحميها، لكنها في المقابل تترك خلفها وجعاً لا ينتهي.
المأساة في المناصير ليست خبراً عابراً يُنشر ثم يُنسى، بل واقع يومي تعيشه الأسر كل عام. أطفال يُلدغون في لحظات غفلة، وأمهات يصرخن طلباً للنجدة، وآباء يركضون في طرق طويلة ووعرة بحثاً عن مصل قد لا يجدونه إلا في مستشفى بعيد. وفي كثير من الأحيان، يكون الزمن أسرع من الجميع.
المؤلم في الحكاية ليس وجود العقارب فقط، فالعقارب جزء من طبيعة المنطقة منذ سنوات طويلة، لكن الكارثة الحقيقية تكمن في غياب الاستعداد لمواجهة خطر معروف ومتكرر. كيف لمنطقة تعاني سنوياً من هذه الأزمة ألا تتوفر فيها أمصال كافية؟ وكيف تبقى القرى البعيدة بلا مراكز طوارئ أو إسعافات قادرة على إنقاذ طفل يصارع السم في دقائق حاسمة؟
ما يحدث في المناصير يكشف الفجوة الكبيرة بين معاناة المواطن والخدمات المفترض أن تحميه. فالأسر هناك لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن رفاهية صحية معقدة، بل تريد حقاً بسيطاً جداً: أن تجد علاجاً قريباً ينقذ أبناءها من الموت.
ولأن الضحية غالباً طفل، تصبح الفاجعة أكثر قسوة. فالطفل لا يفهم معنى السم، ولا يدرك لماذا يتحول ألمه الصغير إلى حالة طوارئ تربك القرية بأكملها. جسده الضعيف لا يحتمل ساعات الانتظار الطويلة، ولا مشقة السفر من منطقة إلى أخرى، بينما يقف الأهل عاجزين أمام سباق مؤلم مع الزمن.
المشكلة أيضاً ليست صحية فقط، بل إنسانية وتنموية في المقام الأول. حين يشعر سكان منطقة كاملة أن الموت قد يقترب من أطفالهم كل ليلة دون حماية حقيقية، فإن ذلك يخلق حالة دائمة من الخوف والإحباط وفقدان الثقة في الخدمات الأساسية. والأسوأ أن هذه المأساة تتكرر كل عام بنفس التفاصيل، وكأن أرواح الناس اعتادت أن تكون خارج دائرة الاهتمام.
وزارة الصحة الاتحادية مطالبة اليوم بأكثر من بيانات وتعاطف. المطلوب خطة واضحة تبدأ بتوفير الأمصال في كل المراكز القريبة من مناطق الخطر، مع تجهيز وحدات إسعاف وطوارئ قادرة على التدخل السريع. كما أن حملات مكافحة العقارب وتحسين البيئة داخل القرى لم تعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة لحماية الأرواح.
كذلك فإن التوعية المجتمعية تلعب دوراً مهماً في تقليل الخسائر، خاصة في القرى البعيدة التي قد لا تعرف الطرق الصحيحة للتعامل مع اللدغات في الدقائق الأولى. فالكثير من الأرواح يمكن إنقاذها إذا توفرت المعرفة والعلاج معاً.
المناصير اليوم لا تطلب الشفقة، بل تطلب حقها في الحياة. تطلب أن ينام أطفالها دون خوف، وأن تتحول المستشفيات من أماكن بعيدة يصعب الوصول إليها إلى ملاذ قريب يمنح الناس فرصة للنجاة.
فلا يعقل أن تستمر عقارب صغيرة في صناعة كل هذا الحزن، بينما تقف المؤسسات عاجزة عن إنهاء مأساة كان يمكن احتواؤها منذ سنوات طويلة.





