الغذاء صحةٌ أو مرض (12 من 20): الشاي والقهوة والمشروبات الشعبية
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

لا تكاد تخلو حياة الناس من مشروبٍ يرافق صباحهم أو مجالسهم أو ضيافتهم أو ساعات عملهم. فالشاي حاضر في البيوت والأسواق والمكاتب والقرى والمدن، والقهوة لها أهلها وعاداتها، والكركدي والحلبة والزنجبيل والقرفة والنعناع والتبلدي والقنقليز وغيرها من المشروبات الشعبية لها مكانتها في الذاكرة والذوق والطبائع. وليست المشكلة في وجود هذه المشروبات؛ فكثير منها قد يكون مباحًا نافعًا أو مقبولًا إذا أُخذ بقدرٍ ووعي، ولكن المشكلة تبدأ حين تتحول العادة إلى إدمانٍ يوميٍّ غير محسوب، وحين تختلط المشروبات بالسكر الكثير، أو تزاحم الماء الصافي، أو تُشرب بطريقةٍ لا تراعي حال المريض والطفل والكبير.
والإسلام لا ينظر إلى الشراب باعتباره مجرد عادةٍ عابرة، بل يربطه بالشكر والنعمة والأدب. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها». وهذا الحديث يجعل الشربة الواحدة موضع حمد، ويعيد الإنسان إلى الوعي بما يدخل جوفه. فإذا كان الماء واللبن وسائر المباحات نعمًا يُحمد الله عليها، فمن تمام هذا الحمد ألا نجعل الشراب بابًا للإفراط أو الضرر، وألا نُدخل على أجسادنا كل يوم ما يرهقها باسم العادة والمزاج والضيافة.
والشاي في واقعنا ليس مجرد مشروب، بل مؤسسة اجتماعية كاملة. به تبدأ الزيارة، وبه تطول الجلسة، وبه تُفتتح ساعات العمل أحيانًا، وبه تُختم الوجبات في كثير من البيوت. وليس الشاي في ذاته عدوًا، ولكن الخطر الأكبر يأتي غالبًا مما يصاحبه: كثرة السكر، وكثرة التكرار، ومزاحمة الماء الصافي، وربطه الدائم بالبسكويت والحلوى والمخبوزات. وقد يظن الإنسان أنه شرب مجرد كوب شاي، لكنه في الحقيقة أخذ جرعة سكر متكررة، وربما أخذ معها شيئًا من الدهون والنشويات إن كان بجانبه طعامٌ مصنع أو حلوى.
والقهوة كذلك قد تكون مشروبًا معتدلًا عند قوم، وقد تتحول عند آخرين إلى إفراطٍ يؤثر في النوم، أو يزيد التوتر، أو يرهق المعدة، أو يجعل الإنسان لا ينتبه إلى حاجته الحقيقية للراحة. وليست القهوة مذمومة في أصلها، لكن من الخطأ أن تصبح وسيلةً دائمةً لمقاومة التعب بدل إصلاح أسبابه. فمن يسهر، ويقل نومه، ويكثر من المنبهات، ثم يطلب من القهوة أن تمنحه نشاطًا بلا ثمن، يخدع جسده؛ لأن المنبه قد يؤجل الإحساس بالتعب، لكنه لا يلغي حاجة البدن إلى النوم والغذاء والماء والراحة.
وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: 9]. والنوم نعمةٌ جعلها الله سكنًا وراحة، فلا يصح أن تتحول المنبهات إلى حربٍ يوميةٍ على هذه النعمة. فمن شرب الشاي أو القهوة في وقتٍ متأخر، ثم اضطرب نومه، ثم احتاج في الصباح إلى مزيدٍ من القهوة أو الشاي ليستيقظ، دخل في دائرةٍ متعبة. والعاقل لا يحرم نفسه مما يحب بالضرورة، ولكنه يعرف الوقت والقدر، ويجعل المنبه خادمًا محدودًا لا سيدًا يتحكم في يومه وليله.
ومن المهم أن نميز بين المشروب نفسه وبين ما نضيف إليه. فكوب شايٍ قليل السكر أو بلا سكر ليس ككوبٍ مثقلٍ بالسكر. وقهوةٌ بلا إضافات كثيرة ليست كقهوةٍ محلاةٍ بالكريمة والسكر والنكهات. وكركدي أو زنجبيل أو نعناع بلا سكرٍ كثير ليس كمشروبٍ شعبيٍّ يتحول إلى شرابٍ سكريٍّ كثيف. وكثير من الناس يظنون أنهم يستفيدون من مشروبٍ عشبي، ثم يفسدون فائدته المحتملة بكمية السكر التي يضيفونها إليه. ولذلك فإن أول إصلاحٍ في باب المشروبات هو تقليل السكر قبل الجدل الطويل حول نوع المشروب.
وفي القرآن الكريم قاعدة جامعة في الطيب والرزق، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: 114]. والشراب داخلٌ في معنى الرزق، والطيب فيه لا يكون بمجرد الطعم المستساغ، بل بسلامة الأثر وحسن الاستعمال. فالمشروب الطيب إذا زاد سكره، أو أُخذ في غير وقته، أو زاحم الماء الصافي، أو ضر مريضًا يعلم أنه يتأذى منه، خرج من دائرة الحكمة وإن بقي في أصله مباحًا.
والمشروبات الشعبية في السودان بابٌ واسعٌ يحتاج إلى إنصاف. فالكركدي مشروب معروف، والحلبة لها حضور، والزنجبيل والقرفة والنعناع والتبلدي والقنقليز وغيرها تدخل في عادات الناس. وهى مشروبات نافعةً منعشةً، أو مساعدةً على الدفء، أو بديلًا أفضل من المشروبات الغازية إذا أُعدت بلا إفراطٍ في السكر. كما لا ينبغي أن أن تُشرب بلا حساب، ولا أن تُستعمل بدل الغذاء عند الحاجة.
ومن الأخطاء المنتشرة أن تجعل كثرة الشاي والقهوة الإنسان غافلًا عن حاجته إلى الماء الصافي. قد يقول الإنسان: أنا أشرب طوال اليوم، وهو بالفعل يُدخل إلى جسمه سوائل، لكن الشاي والقهوة لا ينبغي أن يلغيا حضور الماء الصافي من يومه؛ فهما وإن كان أساسهما الماء، يحملان معه منبهاتٍ وإضافاتٍ، وقد يصاحبهما السكر والحلوى، فيختلف أثرهما عن شربة الماء الخالصة.
وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: 68-69]. وهذه الآية تعيد ترتيب الأصل: الماء هو الشربة الأولى التي تقوم عليها الحياة. فلا مشكلة في كوب شايٍ أو قهوةٍ أو كركدي بقدر، ولكن المشكلة أن يصبح الماء الصافي غريبًا في يوم صاحبه، بينما تكثر الأكواب المحلاة والمنبهة.
والضيافة تحتاج كذلك إلى إعادة نظر. فقد صار من المعتاد أن يُقدَّم الشاي شديد السكر، أو القهوة مع الحلوى، أو العصائر المحلاة، وكأن الضيف لا يُكرم إلا بما يثقل جسده. والحق أن الكرم لا يناقض الصحة. يمكن أن يُقدَّم الماء أولًا، والشاي بسكرٍ قليلٍ أو بلا سكر لمن يريد، والقهوة بقدر، ومشروب شعبي غير محلى أو قليل السكر، وتمر أو فاكهة بدل الإكثار من الحلويات. بل إن مراعاة حال الضيف المريض أو الكبير أو من يحاول تقليل السكر من تمام الكرم، لا من نقصانه.
ومن الأدب النبوي في الشراب ما ثبت من النهي عن التنفس في الإناء. وهذا الهدي يجمع بين النظافة والذوق ومراعاة الآخرين، ويذكرنا بأن طريقة الشرب جزء من الصحة. فالمشروبات في المجالس والأسواق ينبغي أن تُقدَّم في أوعية نظيفة، وأن تُحفظ من الذباب والغبار، وألا تتداول الأكواب والقوارير بما ينقل المرض. ولا يكفي أن يكون المشروب نافعًا في أصله إذا أُعدّ أو قُدّم بطريقةٍ ملوثة.
والكركدي والتبلدي ونحوهما من المشروبات الباردة قد تكون بدائل لطيفة في الحر، خاصة إذا كانت قليلة السكر، لكنها إذا تحولت إلى شرابٍ شديد الحلاوة فقد صارت أقرب إلى العصائر المحلاة. والحلبة والزنجبيل والقرفة قد تكون محببة في الشتاء أو عند بعض الناس، لكنها ليست مناسبةً بلا حد لكل أحد. والنعناع قد يكون خفيفًا لطيفًا، لكنه أيضًا لا يغني عن الماء ولا عن الطعام المتوازن. والقاعدة في كل ذلك: مشروب شعبي بقدر، بلا سكرٍ كثير، والأفضل أن يكون من غيره متى اعتاد الإنسان ذلك.
والشاي بعد الطعام مباشرةً عادة تحتاج إلى مراجعة عند بعض الناس، خصوصًا إذا كان الطعام فقيرًا أصلًا أو كان الشخص يعاني من نقص الحديد أو ضعف الدم. فبعض مكونات الشاي قد تؤثر في امتصاص الحديد من الطعام إذا شُرب بكثرة ومع الوجبات، ولذلك قد يكون من الأفضل تأخيره قليلًا، خاصة لمن لديهم مشكلة في فقر الدم، مع . والمقصود هنا ليس منع الشاي، بل ضبط مكانه حتى لا يزاحم استفادة الجسد من الطعام.
فاذا كان مشروبٌ ما يسبب لك خفقانًا، أو أرقًا، أو حموضةً، أو ارتفاعًا في الضغط، أو اضطرابًا في السكر بسبب ما تضيف إليه، فلا تكابر بدعوى العادة. اترك ما يريب جسدك إلى ما لا يريبه، أو قلله، أو غيّر وقته، أو استشر من يعرف حالتك. فالجسد يرسل إشارات، والحكمة ألا نصم آذاننا عنها.
ومن الناحية الاقتصادية، كثير من الأسر لا تنتبه إلى ما تصرفه على الشاي والسكر والقهوة والمشروبات الجاهزة. قد تبدو الكمية اليومية قليلة، لكنها تتجمع في الشهر، ولو وُجه جزء منها إلى خضروات أو بقوليات أو فاكهة موسمية أو لبن أو بيض لكان أنفع. وليس المقصود أن نلغي المشروبات المحببة، ولكن أن نسأل: هل صارت تأخذ من المال والصحة أكثر مما تستحق؟ وهل صار السكر المصاحب لها عبئًا على البيت والجسد معًا؟
وفي أماكن العمل والدراسة، يحتاج الناس إلى ثقافة جديدة. بدل أن تكون الاستراحة شايًا بسكرٍ كثيرٍ وبسكويتًا أو مقرمشات، يمكن أن تكون ماءً، أو شايًا خفيف السكر، أو قهوةً بقدر، أو مشروبًا شعبيًا غير محلى، ومعه ثمرة فاكهة أو طعام بسيط. والطالب الذي يعتمد على المنبهات بدل النوم، والعامل الذي يقاوم التعب بالقهوة بدل الطعام الجيد والماء، كلاهما يؤجل المشكلة ولا يحلها.
ومن الأسئلة العملية في هذا الباب: كم كوب شاي أو قهوة أشرب في اليوم؟ كم ملعقة سكر تدخل معها؟ هل أشرب ماءً خالصًا كفاية؟ هل تؤثر المنبهات في نومي؟ هل أقدم لطفلي مشروبات محلاة باسم العادة؟ هل أراعي حال الضيف المريض في الضيافة؟ هل أقرأ مكونات المشروبات الجاهزة؟ هذه الأسئلة الصغيرة تكشف كثيرًا من الخلل.
إن الشاي والقهوة والمشروبات الشعبية ليست خصومًا للصحة إذا بقيت في موضعها، لكنها تصبح بابًا للمرض حين تتحول إلى سكرٍ متكرر، أو منبهاتٍ بلا ضبط، أو حين تُزاحم الماء الصافي وتُنسي الإنسان حقه منه. والمطلوب ليس أن نخيف الناس من أكوابهم، بل أن نعيد ترتيبها: الماء أولًا، السكر قليلًا أو معدومًا، المنبهات بقدرٍ ووقتٍ مناسب، المشروبات الشعبية بلا غلوٍّ، والنظافة أساسٌ لا يُتنازل عنه.
وهكذا يكون الغذاء صحةً حين يكون الشراب وعيًا وشكرًا واعتدالًا، ويكون مرضًا حين يصبح عادةً عمياء تقودها الحلاوة والمنبهات. ومن أصلح كوبه اليومي أصلح بابًا واسعًا من أبواب صحته؛ لأن ما نشربه يتكرر كثيرًا، وما يتكرر كثيرًا يصنع أثرًا كبيرًا، خيرًا كان أو شرًا.





