مقالات

الجيش يكسر المرتزقة

محجوب ابوالقاسم

 

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة داخلية بين الجيش والمليشيا بل تحولت تدريجيا إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية وإلى ممر نشط للمرتزقة والمقاتلين الأجانب الذين يتدفقون من عدة دول تحت غطاء شبكات معقدة من التمويل واللوجستيات. وما كشفه مؤخرا موقع “افريكا انتليجنس”  بشأن انتقال عناصر شبه عسكرية كولومبية عبر جمهورية أفريقيا الوسطى إلى مدينة نيالا يمثل واحد من أخطر التحولات في مسار الحرب منذ اندلاعها.

فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بوصول مقاتلين أجانب للمشاركة في القتال لأن ذلك أصبح معروف ومتداول عبر تقارير استخباراتية عديدة تحدثت في السابق عن وجود مرتزقة من كولومبيا وأوكرانيا ودول أخرى وإنما تكمن الخطورة في طبيعة المسار الذي كشف عنه والدلالات السياسية والأمنية التي يحملها.

عندما تصل مجموعة قتالية مدربة من أمريكا اللاتينية إلى قلب أفريقيا ثم تنقل عبر مسار جوي داخلي من بانغي إلى بيراو ومنها إلى نيالا فإن ذلك يشير بوضوح إلى وجود غرفة عمليات لوجستية تعمل بكفاءة عالية خلف الكواليس، مثل هذه العمليات لا يمكن أن تتم بصورة عشوائية أو فردية بل تحتاج إلى تمويل وتنسيق وتأمين مسارات عبور وعلاقات ممتدة داخل عدة دول.

الأخطر من ذلك أن جمهورية أفريقيا الوسطى تبدو اليوم وكأنها تتحول تدريجيا إلى نقطة عبور رئيسية للمقاتلين والسلاح نحو السودان مستفيدة من هشاشة الحدود وضعف الرقابة الأمنية في الإقليم،وهذا التطور لا يهدد السودان وحده بل ينذر بخلق بيئة إقليمية خصبة لنشاط الجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود في منطقة تعاني أصلا من اضطرابات أمنية، كما أن الحديث عن ارتباطات مالية عبر شركات خاصة ذات صلات خارجية يفتح الباب أمام أسئلة كبيرة تتعلق بمن يمول الحرب فعليا ومن المستفيد من استمرارها فكلما طال أمدها ازدادت فرص تدخل الفاعلين غير الرسميين وتضخمت تجارة السلاح وتوسع سوق المرتزقة الذي أصبح إحدى أخطر أدوات الحروب الحديثة.

وفي المقابل فإن اللجوء المتزايد إلى المرتزقة يعكس حجم الخسائر البشرية التي تعرضت لها المليشيا خلال المعارك الأخيرة أمام الجيش فالجيش عبر عملياته المتواصلة نجح في إضعاف البنية القتالية للمليشيا واستنزاف قدراتها البشرية الأمر الذي دفعها خلال الفترة الأخيرة إلى البحث عن بدائل خارجية وتعويض النقص عبر استقدام المزيد من المرتزقة الأجانب ذوي الخبرات القتالية.

غير أن هذا الخيار مهما بدا خطيرا لن يغير من معادلة الميدان كثيرا لأن الجيش اكتسب خلال سنوات الحرب خبرات واسعة في التعامل مع التهديدات المركبة وأثبت قدرة عالية على امتصاص الهجمات وإعادة تنظيم صفوفه وتوسيع نطاق سيطرته،كما أن دخول المرتزقة إلى ساحة القتال قد يمنح الحرب طابع أكثر تعقيد لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الأزمة التي تعيشها المليشيا واعتمادها المتزايد على الدعم الخارجي لتعويض تراجعها الميداني.

وفي ظل الروح القتالية العالية التي أظهرها الجنود البواسل والدعم الشعبي للقوات المسلحة تبدو المؤسسة العسكرية قادرة على مواصلة المواجهة واستكمال عملياتها ضد هذه المجموعات الأجنبية مهما تعددت جنسياتها أو مصادر دعمها،
وإن استمرار الحرب دون حسم عسكري سيجعل السودان مركز جذب متزايد للمقاتلين الأجانب كما حدث في تجارب إقليمية أخرى تحولت فيها الحروب المحلية إلى حروب متعددة الجنسيات.

وحين تصل الحرب إلى هذه المرحلة يصبح الخروج منها أكثر صعوبة لأن مصالح المرتزقة وشبكات التمويل لا ترتبط بالحلول السياسية بل باستمرار الفوضى نفسها.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لتحرك إقليمي ودولي جاد لا يقتصر على الدعوات الدبلوماسية التقليدية وإنما يمتد إلى مراقبة خطوط التمويل وتشديد الرقابة على الحدود وفتح تحقيقات شفافة حول الجهات التي تسهل انتقال المقاتلين الأجانب إلى السودان.

إن الحرب لم تعد معركة داخل حدود دولة واحدة بل أصبحت اختبار حقيقي لقدرة الإقليم والمجتمع الدولي على منع تحول القرن الأفريقي والساحل إلى سوق مفتوحة للمرتزقة والحروب بالوكالة

ولنا عودة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى