مقالات

نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (23 من 26): مركز المهارات القروي… صناعة الإنسان المنتج

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

 تنبيه منهجي:
يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.

إذا كان بيت التنمية هو العقل التنفيذي للمشروع القروي، فإن مركز المهارات القروي هو الذراع التي تصنع القادرين على حمل هذا المشروع وتطويره. فكم من فكرة نافعة تعطلت، وكم من مبادرة جيدة ضعفت، لا لأن الموارد انعدمت، بل لأن المهارة التي تُحسن تشغيل المورد، أو تدير النشاط، أو تضبط الجودة، أو تتابع الحساب، لم تكن موجودة بالقدر الكافي. ومن هنا فإن النهضة القروية لا تقوم على الأرض والماء والحيوان والمال وحدها، بل تقوم كذلك على الإنسان الذي يعرف ماذا يفعل، وكيف يفعله، ولماذا يفعله بهذه الصورة دون غيرها.

ومركز المهارات القروي ليس بالضرورة معهدًا كبيرًا أو مبنى معقدًا، بل قد يبدأ في صورة بسيطة جدًا: غرفة تدريب، أو مقر صغير، أو برنامج منتظم داخل بيت التنمية، أو حتى أيام تدريبية محددة تتكرر بانضباط. لكن قيمته لا تكون في الشكل، بل في وظيفته العملية: أن ينقل أهل القرية من الاعتماد الكامل على العادة والخبرة المبعثرة إلى امتلاك مهارات أوضح، وأدق، وأقرب إلى متطلبات الإنتاج الحديث المنضبط.

والمقصود بالمهارات هنا ليس فقط المهارات الفنية المباشرة، كتحسين الزراعة أو التربية أو التصنيع، بل كذلك المهارات التنظيمية والاقتصادية التي لا تقل أهمية، مثل:
تسجيل الكلفة والإنتاج
فرز الجودة
التعبئة السليمة
التخزين الصحيح
تشغيل الأدوات البسيطة وصيانتها
التفاوض والبيع
تنظيم الوقت والعمل
القراءة الأساسية للأرقام
فهم أولويات المشروع

فكثير من الخسارة في القرى لا تنشأ من ضعف الموارد وحدها، بل من ضعف هذه المهارات التي تبدو صغيرة، لكنها تصنع الفارق بين نشاط مرتبك وآخر منضبط.
ومن هنا فإن أول ما ينبغي أن يفعله مركز المهارات القروي هو تحديد المهارات التي يحتاجها المشروع فعلًا، لا التي تبدو جميلة في الكلام فقط. فليس المطلوب جمع الناس في دورات عامة لا ترتبط بحاجة القرية، بل المطلوب أن يُسأل: ما المهارة التي لو تحسنت الآن لارتفع العائد أو انخفض الفاقد أو تحسنت الجودة أو انضبط الحساب؟ لأن التدريب إذا انفصل عن الحاجة الفعلية، صار ثقافة عامة حسنة، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى أثر اقتصادي واضح.

ولهذا فإن مركز المهارات الناجح لا يبدأ من العناوين الكبيرة، بل من الثغرات العملية الصغيرة.
هل يضعف الناس في فرز المنتج؟
هل يخطئون في التخزين؟
هل لا يحسنون ضبط كلفة النشاط؟
هل تنقصهم مهارة تشغيل أداة معينة؟
هل يحتاجون إلى تحسين في تغذية الحيوان أو متابعة صحته؟

هل يجهلون متطلبات التعبئة المقبولة في السوق؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تصنع محتوى المركز، لأن المهارة إذا لم تُبنَ على ثغرة حقيقية، ضاع كثير من أثرها.
ومن أهم مزايا مركز المهارات القروي أنه يحول المعرفة من كونها حبيسة أفراد محدودين إلى كونها أصلًا جماعيًا. ففي كثير من القرى توجد خبرات نافعة عند بعض الناس، لكنها تبقى متفرقة، أو ترتبط بشخص بعينه، أو تضيع بغيابه. أما حين تُجمع هذه الخبرات، ويُضاف إليها ما يلزم من تحسين، ثم تُنقل إلى الشباب والنساء والمنتجين على نحو منظم، فإن القرية تبدأ في بناء رأس مال بشري حقيقي لا يقل قيمة عن المال المادي.

كما أن هذا المركز يفتح الباب أمام إشراك الشباب في المشروع القروي بصورة أوسع وأعمق. فبدل أن يبقى الشاب بين خيارين: إما الهجرة، أو البقاء في دور غير واضح، يمكن أن يجد لنفسه موضعًا محددًا داخل النشاط المحلي: في تشغيل، أو تسجيل، أو صيانة، أو تعبئة، أو تسويق، أو متابعة، أو تدريب غيره لاحقًا. وهذا مهم جدًا، لأن النهضة القروية لا تستقر إذا بقيت مجرد جهد كبار السن أو أصحاب الخبرة القديمة وحدهم، بل لا بد أن تُدخل جيلًا جديدًا في قلب العملية الاقتصادية.

وكذلك يفتح مركز المهارات الباب أمام تمكين النساء في حدود ما يلائم البيئة والأنشطة القائمة. فكثير من الحلقات المرتبطة بالإنتاج القروي—من الصناعات المنزلية، إلى التعبئة، إلى الزراعة المنزلية، إلى بعض صور التصنيع الغذائي، إلى التنظيم والتسجيل—يمكن أن تستفيد كثيرًا من وجود تدريب منضبط ينقل العمل من الجهد العفوي إلى العمل المحكم. وحين يتحسن هذا الجانب، لا ترتفع جودة النشاط فقط، بل تتسع قاعدة المشاركة في النهضة كلها.
ومن الحكمة كذلك أن لا يتحول مركز المهارات إلى جهة تُكثر من التدريب النظري وتقل عندها الممارسة. فالمهارة

القروية لا تثبت بالشرح وحده، بل بـ التدريب العملي المتكرر، وبالربط المباشر بين ما يتعلمه الناس وما يفعلونه في حقولهم أو حظائرهم أو ورشهم أو أنشطتهم المنزلية. ولهذا فإن أفضل تدريب في هذا الباب هو الذي يكون قصيرًا، واضحًا، متصلًا بالحاجة، متبوعًا بتطبيق مباشر، ثم بمراجعة لما نتج عنه.
ومن أهم القواعد هنا أيضًا أن يُعامل التدريب نفسه بعقلية اقتصادية:

ما المهارة التي تحسن بعدها الأداء فعلًا؟
ما الذي تغير بعد التدريب؟
هل انخفض الفاقد؟
هل تحسنت الجودة؟
هل ارتفع العائد؟
لأن مركز المهارات لا ينبغي أن يقاس بكثرة الجلسات أو عدد الشهادات، بل بما أحدثه من فرق في الواقع.

كما أن مركز المهارات القروي يحمي المشروع من الاعتماد المفرط على الخارج. فكلما احتاجت القرية في كل تفصيل إلى خبير خارجي، بقيت هشّة ومعطلة عند غيابه. أما إذا استطاعت أن تبني في داخلها نواة من الناس القادرين على الفهم والتشغيل والتدريب والمتابعة، فإنها تصبح أقدر على الاستمرار، وأقل كلفة، وأسرع استجابة للمشكلات اليومية.
ومن هنا فإن مركز المهارات ليس بابًا جانبيًا من أبواب

النهضة، بل هو أحد أركانها. لأن الموارد بلا مهارة قد تُهدر، والمال بلا مهارة قد يضيع، والفكرة بلا مهارة قد تبقى أمنية حسنة لا أكثر. أما حين تُبنى المهارة داخل المجتمع، فإن القرية تبدأ في تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج أوضح وأثبت.
فالنهضة القروية لا تحتاج فقط إلى من يملك، بل تحتاج كذلك إلى من يحسن.
ولا تحتاج فقط إلى الموارد، بل إلى اليد التي تعرف كيف تستخدم المورد في موضعه الصحيح.

وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى محور آخر يكمل هذه الجهود جميعًا، لأنه يتعلق بكيفية خروج المنتج من القرية إلى السوق بوعي وقوة تفاوض أفضل:
التسويق الذكي… التحرر من التاجر الوسيط.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى