جامعة النيلين في معسكر أزهري المبارك.. حين يصبح التعليم رسالة إنسانية

لقد كانت جامعة النيلين دائمًا حاضرة في المواقف الوطنية والإنسانية، لذلك لم يكن غريبًا أن تأتي قافلة الإسناد الاجتماعي إلى معسكر أزهري المبارك للنازحين بروح مختلفة تشبه هذه المؤسسة العريقة التي ظلت تؤمن أن دور الجامعة لا ينحصر داخل القاعات الدراسية فقط، بل يمتد إلى المجتمع والإنسان أينما كان. عشرة أيام كاملة عاشتها القافلة وسط النازحين، حملت خلالها معنى التضامن
الحقيقي، وكانت مثالًا للعطاء الذي يصنع الأمل وسط المعاناة ويمنح الناس شعورًا بأن الوطن ما زال قادرًا على الوقوف معهم رغم كل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
في المعسكر رأينا وجوهًا أتعبتها الحرب وأرهقتها رحلة النزوح الطويلة، لكننا رأينا أيضًا إصرارًا عجيبًا على الحياة. الأطفال كانوا الأكثر حضورًا في المشهد، بعيون تحمل الخوف أحيانًا والبراءة دائمًا. أطفال حُرموا من الدراسة لسنوات طويلة، وأبعدتهم الحرب عن مدارسهم ودفاترهم وأحلامهم الصغيرة. لذلك جاءت مبادرة الجامعة محاولة
لإعادة النور إلى هذا الطريق، وإعادة هؤلاء الأطفال إلى مقاعد الدراسة بدلًا من حياة الخوف والترحال. فقد أصبح التعليم بالنسبة لهم ليس مجرد حق، بل وسيلة للنجاة من واقع قاسٍ فرضته الحرب عليهم دون ذنب.
وفي حديث البروفيسور الهادي أحمد إبراهيم مدير الجامعة عن المبادرة، أوضح أن الهدف الأساسي منها هو الاهتمام بالإنسان السوداني في مناطق النزوح، خاصة الأطفال الذين يشكلون النسبة الأكبر داخل المعسكر. كما تحدث عن أهمية إعادة دمجهم في العملية التعليمية بعد سنوات الانقطاع الطويلة، حتى لا تضيع أعمارهم بين المعسكرات وآثار الحرب. وقد ضم المعسكر وافدين من ولايات عديدة تأثرت بالنزاعات، خاصة دارفور وكردفان، مما جعل حجم المسؤولية أكبر والتحديات أكثر صعوبة.
ولم يكن دور القافلة مقتصرًا على التعليم فقط، بل كانت محاولة حقيقية لزرع الطمأنينة داخل النفوس. فالمعاناة النفسية التي عاشها الوافدون كانت كبيرة جدًا، خاصة الأطفال والنساء، لذلك عمل المختصون النفسيون على تقديم الدعم النفسي ومحاولة تخفيف آثار الحرب التي ظلت تسكن تفاصيلهم اليومية. كانت بعض الحكايات مؤلمة لدرجة الصمت، لكن وجود القافلة بينهم جعل الجميع يشعر أن هناك من يسمعهم ويهتم لأمرهم ويحاول أن يمنحهم بعض القوة لمواصلة الحياة.
كما قامت الجامعة بتدريب ثلاثين معلمًا ومعلمة من داخل المعسكر، في خطوة مهمة تهدف إلى بناء مجتمع قادر على الاستمرار رغم الظروف الصعبة. فوجود معلمين من داخل المعسكر يساعد على استمرار العملية التعليمية ويمنح الأطفال شعورًا بالاستقرار والانتماء. وكانت هذه الخطوة تعبيرًا واضحًا عن إيمان الجامعة بأن بناء الإنسان يبدأ بالتعليم، وأن المجتمعات لا يمكن أن تنهض دون وعي ومعرفة.
أما الجانب الترفيهي فقد كان أشبه بفسحة أمل داخل المعسكر. المسرح والرياضة ومسرح العرائس والمسابقات أعادت الضحكات للأطفال من جديد، وكأن تلك الأيام العشرة كانت محاولة صغيرة لإعادة الحياة إلى مكان أثقلته الأحزان. كان الأطفال يركضون ويفرحون وينسون ولو قليلًا أصوات الحرب والنزوح، وكانت تلك اللحظات البسيطة كافية لتصنع فرقًا كبيرًا داخل نفوسهم.
ومن اللحظات الجميلة التي ستظل عالقة في الذاكرة لقائي بالدكتورة جميلة الجميعابي، تلك القامة الإنسانية الكبيرة التي ظلت دائمًا رمزًا لدعم المرأة والطفل والعمل المجتمعي. كانت كما عرفتها دائمًا؛ مفعمة بالأمل والمحبة، تزرع الطمأنينة بكلماتها وابتسامتها. وجودها وسط الناس أكد لي أن السودان ما زال بخير، وأن هذا الوطن مليء بالشخصيات التي تمنح الآخرين القوة للاستمرار.
خرجت من هذه التجربة وأنا أشعر بفخر كبير بانتمائي لجامعة النيلين، هذه الجامعة التي علمتنا أن التعليم رسالة، وأن الإنسان هو القيمة الحقيقية التي يجب أن نقف معها في كل الظروف. لذلك ستظل هذه الأيام واحدة من أجمل وأعمق التجارب الإنسانية التي عشتها، لأنها جعلتني أرى السودان رغم ألمه قادرًا على صناعة الأمل من جديد، وقادرًا أيضًا على أن ينهض بأبنائه ما دام فيه أشخاص يؤمنون بالإنسان والوطن والمحبة.





