مقالات

بهدوءٍ وتدبّر. محمد عثمان الشيخ النبوي :  نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (22 من 26): بيت التنمية… العقل التنفيذي للمشروع القروي

 

 

 

🔴 تنبيه منهجي:

يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.

 

إذا كانت الجمعية التعاونية  تجمع الجهود، وكان الصندوق الدوّار يمدها بالحركة، وكان الشراء الجماعي يخفف الكلفة، فإن سؤالًا مهمًا يظل قائمًا: من أين تُدار هذه الخيوط كلها؟ ومن الجهة التي تحفظ الرؤية، وتتابع التنفيذ، وتمنع أن تتحول المبادرات إلى أنشطة متفرقة لا رابط بينها؟ وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه بيت التنمية، بوصفه العقل التنفيذي للمشروع القروي.

 

وبيت التنمية ليس بالضرورة مبنى كبيرًا، ولا مؤسسة بيروقراطية مثقلة بالأوراق، بل قد يبدأ بغرفة بسيطة، أو مقر صغير، أو مساحة عملية واضحة الوظيفة، لكن قيمته لا تكون في جدرانه، بل في الدور الذي يؤديه. فالمشكلة في كثير من البيئات القروية ليست فقط في غياب الأفكار، بل في غياب الموضع الذي تُجمع فيه المعلومات، وتُراجع فيه الخطط، وتُحفظ فيه السجلات، وتُنسق منه الجهود، ويُتابع منه التنفيذ.
ومن هنا فإن بيت التنمية يؤدي وظيفة محورية: فهو المكان الذي تنتقل فيه النهضة القروية من مستوى الرغبة العامة إلى مستوى الإدارة العملية. ففيه تُعرف الأولويات، وتُرتب المراحل، وتُراجع النتائج، وتُحل المشكلات، ويُربط بين النشاط الزراعي، والثروة الحيوانية، والحرف، والتخزين، والتسويق، والجمعية، والصندوق، وسائر الحلقات التي تحدثنا عنها في المقالات السابقة. ومن دون هذا الموضع الجامع، قد توجد الأنشطة، لكن يضعف التنسيق بينها، ويكثر التكرار، ويضيع جزء من الجهد في سوء الربط أو تأخر القرار.

وأول ما ينبغي أن يقوم به بيت التنمية هو جمع المعرفة المحلية وتنظيمها. فما الذي تنتجه القرية؟ وما الذي يضعف أداءها؟ وما الموارد المتاحة فعلًا؟ وما الأنشطة الواعدة؟ وما المشكلات المتكررة؟ وما الكلف التي تُرهق الناس؟ وما الفرص التي يمكن البناء عليها؟ لأن القرار التنفيذي الصحيح لا يقوم على التخمين، بل على صورة واضحة للواقع. وبيت التنمية هو الموضع الطبيعي لحفظ هذه الصورة وتحديثها.
ثم تأتي بعد ذلك وظيفة ثانية لا تقل أهمية، وهي تحويل الرؤية إلى برنامج عمل. فكثير من القرى قد تقتنع بفكرة النهضة، لكنها تتعثر حين تنتقل إلى السؤال العملي: من يبدأ؟ وبماذا يبدأ؟ ومتى؟ وبأي ترتيب؟ وهنا لا يكفي الحماس، بل لا بد من جهة تضع الخطوات، وتوزع الأدوار، وتحدد ما الذي يُنفذ أولًا وما الذي يُؤجل، حتى لا تختلط المراحل أو تتزاحم فوق الطاقة.

ومن أهم وظائف بيت التنمية أيضًا إدارة السجل القروي. فالمجتمع الذي لا يحفظ معلوماته، ولا يدون تجاربه، ولا يسجل كلفه ونتائجه، يظل معرضًا لتكرار الخطأ نفسه مرة بعد مرة. أما إذا وُجد موضع تُجمع فيه الأرقام، والملاحظات، والخبرات، والدروس المستفادة، فإن القرية تبدأ في بناء ذاكرة اقتصادية خاصة بها. وهذه الذاكرة من أعظم أصول النهضة، لأنها تمنع أن يضيع التعلم بتغير الأشخاص أو بمرور المواسم.

كما أن بيت التنمية يضطلع بدور مهم في المتابعة والتقويم. فالمشكلة في كثير من المبادرات القروية أنها تبدأ جيدًا ثم تضعف، لا لفساد الفكرة، بل لغياب من يتابع التنفيذ على نحو منتظم. قد تتأخر خطوة، أو يظهر خلل، أو ترتفع كلفة، أو يضعف التزام، أو تظهر عقبة في السوق، فإذا لم توجد جهة ترصد ذلك مبكرًا، كبرت المشكلة حتى تربك المشروع كله. أما إذا وُجد بيت التنمية بصفته موضع المتابعة، أمكن تصحيح المسار قبل أن تتراكم الأخطاء.

ومن وظائفه كذلك الربط بين الجهد المحلي والخبرة الخارجية عند الحاجة. فليس المقصود أن تكون القرية مكتفية بكل معرفة في داخلها، وإنما أن يكون لها باب منظم تستقبل منه المشورة أو التدريب أو الخبرة الفنية حين تحتاجها، ثم تُدخلها في مشروعها على نحو منضبط. وبيت التنمية هو الأنسب لهذا الدور، لأنه يمنع أن تكون العلاقة بالخارج عشوائية أو موسمية أو غير مرتبطة بالحاجة الفعلية.

والأهم من ذلك أن بيت التنمية يمنح المشروع القروي عنوانًا إداريًا واضحًا. فحين يريد أهل القرية الاجتماع على أمر اقتصادي، أو مراجعة حساب، أو ترتيب شراء جماعي، أو تقييم موسم، أو بحث تسويق، أو تنظيم تدريب، فإن وجود موضع معلوم لذلك يرفع الجدية، ويمنع التبعثر، ويعطي العمل صفة المؤسسة لا صفة اللقاء العابر. وهذا في ذاته تحول مهم، لأن المجتمعات لا تنهض بالهمة وحدها، بل بالهمة حين تجد موضعًا منظمًا تُدار منه.

لكن بيت التنمية لا ينجح لمجرد وجود مكان أو اسم، بل ينجح إذا اتضحت وظيفته وحدوده. فهو ليس سلطة فوق الناس، وليس كيانًا بديلاً عن الجمعية أو عن أهل القرية، بل هو أداة خدمة وتنظيم ومتابعة وتنفيذ. وكلما بقي قريبًا من هذا الدور العملي، كان أنفع وأقدر على الاستمرار. أما إذا تحول إلى مركز شكلي أو واجهة خطابية أو موضع تضخم إداري، فقد يفقد معناه ويصبح عبئًا بدل أن يكون عقلًا منظمًا.
ومن الحكمة كذلك أن يبدأ بيت التنمية بمهام

محدودة واضحة، مثل:
حفظ السجلات الأساسية
متابعة الأنشطة ذات الأولوية
تنسيق الاجتماعات الاقتصادية
ربط المنتجين بالجمعية أو الصندوق
جمع البيانات البسيطة عن الكلفة والإنتاج والبيع
ثم يتوسع بعد ذلك بقدر ما يثبت نجاحه وحاجة الناس إليه. أما تحميله منذ البداية كل الملفات دفعة واحدة، فقد يربكه ويضعف أثره.

كما أن بيت التنمية يسهم في حماية الاستمرارية. فالمشروعات القروية كثيرًا ما تتأثر بغياب شخص فاعل أو انتقاله أو ضعفه، لكن حين تكون المعرفة والسجلات والروابط محفوظة في موضع مؤسسي، يقل أثر تغير الأفراد. وهذا من علامات النضج في أي مشروع جماعي: أن لا يتوقف كله على شخص واحد مهما كانت أهميته.

ومن هنا فإن بيت التنمية ليس تفصيلًا تنظيميًا زائدًا، بل هو في كثير من الأحيان الفارق بين قرية تعمل في مبادرات متفرقة، وقرية تعمل ضمن مشروع واضح له ذاكرة وخطة ومتابعة ومركز ثقل إداري. إنه ببساطة الموضع الذي تتلاقى فيه الخيوط، وتُشد منه الأطراف، ويُترجم فيه الكلام إلى برنامج، والبرنامج إلى تنفيذ.

فالقرية التي تريد نهضة متماسكة. لا يكفيها أن تملك أفكارًا جيدة ومبادرات نافعة، بل تحتاج أيضًا إلى موضع يُدير هذه الأفكار ويجمع هذه المبادرات ويحفظها من التشتت. وهذا هو معنى بيت التنمية: ليس مجرد مقر، بل عقل تنفيذي يحول الإمكان إلى عمل، والعمل إلى مسار.
وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى محور مكمّل لهذا البناء، يتعلق بصناعة القدرة البشرية التي تحمل المشروع وتطوره:
مركز المهارات القروي… صناعة الإنسان المنتج.

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى