مقالات

هدى الخليفه النور تكتب. |  عبق الذاكرة  | الكرم

في هذه الصورة التي تبدو كأنها لوحة مرسومة بعناية السماء، لا ترى مجرد صفوف من الناس ينتظرون لحظة الإفطار في شهر رمضان، بل ترى قصة وطن كامل تُكتب على الأرض. آلاف الصائمين يجلسون في صفوف متراصة، كأنهم عقد من النور امتد على طول الطريق، تتشابه الثياب البيضاء وتتوحد الوجوه في انتظار لحظة الأذان، لحظة تتلاقى فيها القلوب قبل أن تتلاقى الأيادي على الطعام.
هذه ليست مجرد مائدة إفطار، بل هي ملحمة سودانية خالصة، عنوانها الكرم، وفصلها الأول الجود، وخاتمتها العطاء الذي لا ينقطع.

في السودان، لا يُقاس الكرم بكمية الطعام، بل بمساحة القلب. فالمائدة التي تُمد في الطرقات ليست دعوة للأقارب فحسب، بل هي دعوة للعابر والغريب وابن السبيل. من مرّ من هنا فهو ضيف، ومن جلس فهو أهل الدار. لا يسأل السوداني ضيفه من أين جاء، بل يقول له ببساطة: تفضل… المكان مكانك.

رمضان في السودان ليس شهراً للصيام فقط، بل هو موسم تتفتح فيه معاني الرحمة والإنسانية. ترى الجيران يتسابقون لإعداد الطعام، وترى الشباب يحملون الصحون ويصفونها بعناية، بينما ينشغل الكبار بالدعاء والذكر، وكأن الجميع يشارك في كتابة مشهد من أجمل مشاهد التكافل الإنساني.
انظر إلى هذه الصفوف الطويلة التي لا يكاد طرفها يُرى…
كل صحن فيها يحمل قصة بيت، وكل تمرة فيها تحمل نية طيبة، وكل كوب ماء فيه دعوة صادقة بأن يعم الخير البلاد والعباد.

في السودان، الكرم ليس عادة… بل هو هوية.
فالبيت الذي لا يفتح بابه للضيف يُعد بيتاً ناقص البركة، والموائد التي تمتد في الطرقات هي إعلان صريح بأن هذا الشعب ما زال متمسكاً بأصالته رغم كل ما مر به من صعوبات وتحديات.
وربما أجمل ما في هذا المشهد أن الغني والفقير يجلسان جنباً إلى جنب دون فوارق. هنا تختفي المسافات الاجتماعية، وتذوب الفوارق، ويصبح الجميع صائمين ينتظرون لحظة الإفطار نفسها. إنها لحظة مساواة إنسانية نادرة، يتجلى فيها معنى الأخوة بأبهى صوره.

هذه الصورة تقول للعالم إن السودان، رغم كل ما مر به من أزمات، ما زال يحمل في قلبه نبض الخير.
فالبلاد التي تستطيع أن تجمع هذا العدد من الناس على مائدة واحدة في الشارع، هي بلاد لم تنطفئ فيها شعلة المحبة بعد.
وحين يرفع المؤذن صوته بالأذان، تمتد الأيادي في آنٍ واحد، ويبدأ الجميع الإفطار بتمرة وماء… وفي تلك اللحظة بالذات، لا تسمع ضجيجاً ولا فوضى، بل تشعر بسكينة عجيبة، كأن الرحمة نزلت على المكان كله.
إنها ليست صورة لطعام فقط…

إنها صورة لروح السودان.
روح تقول ببساطة:
مهما ضاقت الحياة، سيظل في هذا البلد من يفرش الطريق مائدة، ومن يفتح قلبه قبل بيته، ومن يؤمن أن الخير إذا قُسم كثر.
وهكذا يبقى السودان
بلداً إذا جاع فيه رجل، أطعمه ألف قلب.
وإذا جلس الناس فيه للإفطار، جلس معهم الكرم نفسه.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى