
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتضيق فيه مساحات الوفاء، تظل بعض المبادرات الإنسانية قادرة على أن تعيد للناس إيمانهم بأن الخير لا يموت وأن أصحاب العطاء الحقيقي لا يغيبون عن الذاكرة مهما تبدلت الظروف وتعاقبت السنوات. ومن بين هذه المبادرات المضيئ، تبرز مبادرة «صنائع المعروف» التي أطلقها ديوان الزكاة بولاية شمال كردفان وهي ترتدي في كل مرة ثوباً جديداً يحمل معاني الوفاء والتقدير ورد الجميل لمن أفنوا أعمارهم في خدمة المجتمع.
هذه المبادرة لم تعد مجرد برنامج اجتماعي عابر بل أصبحت رسالة إنسانية عميقة تتلمس أوتار المجتمع وتقترب من رموزه الذين صنعوا الوعي وتركوا إرثاً خالداً في مختلف المجالات فهي مبادرة تقوم على فلسفة التكريم لمن هم بين الناس والمواساة لأسر من رحلوا وفق ضوابط شرعية وإنسانية تعكس الوجه الحقيقي لديوان الزكاة ودوره المجتمعي الكبير.
ومع حلول عيد الأضحى المبارك للعام ١٤٤٧ هجرية اختارت «صنائع المعروف» أن تتجه هذه المرة صوب أهل الإعلام والصحافة أولئك الجنود الذين ظلوا يحملون مشاعل الكلمة الصادقة وسط العواصف ويدفعون ثمن رسالتهم من أعصابهم وأعمارهم وصحتهم ليظل المجتمع على صلة بالحقيقة.
في يوم عرفة، ذلك اليوم الذي تتنزل فيه الرحمات وتحفُّه المعاني الإيمانية العظيمة انطلق موكب «صنائع المعروف» من أمام أمانة الزكاة بولاية شمال كردفان، في مشهد حمل دلالات كبيرة على تلاحم مؤسسات الدولة مع المجتمع وأهل الفكر والإعلام وتقدّم الوفد سعادة اللواء الصديق الجيلي قائد الفرقة الخامسة مشاه والأستاذ إبراهيم عثمان داؤود أمين ديوان الزكاة بالولاية والأستاذ الهادي أحمد عبد الرحمن مدير الدعوة والإعلام،والصحفي الرشيد يوسف بشير رئيس اتحاد الصحفيين بالولاية إلى جانب عدد من المهتمين والإعلاميين.
كانت المحطة الأولى بحي القبة بمدينة الأبيض بمنزل الهرم الإعلامي الراحل بكري السيد حيث امتزجت مشاعر الفخر بالحزن واستعادت الأسرة والوفد صفحات مضيئة من سيرة رجلٍ ظل اسمه محفوراً في ذاكرة الإعلام الولائي ولم تكن الزيارة مجرد دعم مادي بل كانت رسالة وفاء صادقة تؤكد أن أصحاب البصمات الحقيقية لا يغيبون عن وجدان الناس.
ثم اتجهت القافلة إلى حي الاستقلال حيث حلّت ضيفاً على المهندس الإذاعي محمد جبارة علي، الرجل الذي ظل صوته وجهده حاضرين في وجدان المستمعين خاصة خلال الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد إبان معركة الكرامة وبرغم وصوله إلى سن المعاش إلا أن أثره المهني ظل ممتداً فكان تكريمه بمثابة اعتراف مستحق لمسيرة طويلة من العطاء الإعلامي الصادق.
وفي حي المعاصر كانت محطة الوفاء الثالثة بمنزل المصور التلفزيوني والمهندس إسحق محمد أحمد الذي ظل يحمل على عاتقه مسؤولية استمرار البث التلفزيوني وتوثيق الأحداث رغم التحديات والمخاطر. فقد أثبت الرجل أن الإعلام الحقيقي لا يتوقف عند حدود الوظيفة بل يتحول إلى رسالة وطنية تواجه الاستهداف والتخريب خاصة بعد استهداف استوديوهات تلفزيون الولاية بواسطة المسيرات الانتحارية التي أطلقتها المليشيا المتمردة.
أما المشهد الأكثر تأثيراً فقد كان بحي الشويحات داخل منزل الراحل حسن الرضي حيث تحولت الزيارة إلى لحظة إنسانية خالصة اختلطت فيها الدموع بالكلمات شعرت أسرة الفقيد أن هناك من لا يزال يتذكر مسيرته الصحفية والإعلامية الحافلة وأن العطاء الصادق لا يضيع مهما غاب صاحبه وكانت دموع شقيقاته أبلغ من كل الكلمات وهي تعبّر عن الامتنان لهذه اللفتة التي أعادت إليهم شعور التقدير والاعتراف.
واختتمت «صنائع المعروف» يومها الحافل بحي بلدو بمنزل الراحل حسن نايل في مشهدٍ بدا أقرب إلى احتفال شعبي بالوفاء. فقد كان الرجل مدرسة صحفية متفردة ترك أثراً عميقاً في الوسط الإعلامي ولذلك لم تكن الزيارة مجرد مواساة، بل كانت احتفاءً بقامةٍ صنعت فرقاً حقيقياً في مسيرة الصحافة والإعلام بشمال كردفان.
لقد أكدت هذه المبادرة أن ديوان الزكاة لا يقتصر دوره على تقديم الدعم المادي فحسب وإنما يتجاوز ذلك إلى صناعة التماسك المجتمعي وبث روح الوفاء وتقدير أصحاب الرسالة الوطنية وهي خطوة تعكس فهماً عميقاً لمعنى التكافل الحقيقي الذي لا يقف عند حدود المال بل يمتد ليشمل الدعم النفسي والإنساني والاجتماعي
وفي ختام الجولة عبّر الأستاذ إبراهيم عثمان داؤودأمين ديوان الزكاة بولاية شمال كردفان عن بالغ شكره وتقديره للوفدالمرافق في الجوله على مشاركتهم ومرافقتهم لهذه الزيارات الإنسانية مؤكداً أن هذه الأسر فرضت احترامها على المجتمع بما قدمه أبناؤها من عطاء، وأن أقل ما يمكن تقديمه لهم هو الوفاء والتقدير.
وهكذا مضت «صنائع المعروف» ترسم ملامح وجهٍ آخر للزكاة وجهٍ أكثر قرباً من الناس وأكثر التصاقاً بقيم الرحمة والوفاء لتؤكد أن المجتمعات العظيمة هي التي تحفظ الجميل لأهل الجميل وأن أصحاب الرسالة الصادقة وإن رحلوا بأجسادهم فإن أثرهم سيظل حياً في القلوب والذاكرة
اللهم أمنا في أوطاننا





