رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (23 من 29): ﴿والكاظمين الغيظ﴾… إدارة الغضب الفردي والمجتمعي
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

الغضب طاقة فطرية في الإنسان، لكنه إذا انفلت تحوّل إلى معول هدم. كم من كلمة قيلت في لحظة انفعال فكسرت علاقة، وكم من قرار اتُّخذ في ساعة غضب فغيّر مصيرًا.
قال الله تعالى في وصف أهل الإحسان:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
فكظم الغيظ ليس قمعًا للمشاعر، بل ضبطًا لها. ليس إنكارًا للغضب، بل إدارة واعية له. وقد ذكر المفسرون أن الكظم هو حبس الغضب مع القدرة على إظهاره، ثم يرتقي الإنسان إلى مرتبة أعلى هي العفو.
وقال النبي ﷺ لمن طلب الوصية:
«لا تغضب»
فرددها مرارًا (رواه البخاري).
لم يكن المقصود إلغاء الانفعال الإنساني، بل التحذير من أن يتحول الغضب إلى سلوك مؤذٍ.
وبيّن النبي ﷺ معيار القوة الحقيقية فقال:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
(متفق عليه).
فالقوة في ميزان الأخلاق ليست غلبة الآخرين، بل القدرة على ضبط النفس.
وفي رمضان يتضاعف هذا التحدي؛ فالصائم قد يجوع ويتعب، فيصبح أقرب إلى التوتر. ولذلك جاء التوجيه النبوي:
«فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم».
إنه تذكير للنفس بهويتها قبل أن يكون ردًّا على الآخر.
إدارة الغضب تبدأ بالوعي. أن يدرك الإنسان أنه غاضب قبل أن يتصرف، وأن يمنح نفسه لحظة فاصلة بين الشعور والفعل. هذه اللحظة الصغيرة قد تمنع خسائر كبيرة.
وقد أثبتت دراسات علم النفس أن القدرة على تنظيم الانفعال ترتبط بسلامة العلاقات وجودة القرارات؛ لأن الغضب يضيق زاوية الرؤية، ويجعل الإنسان يميل إلى التسرع والمبالغة في التقدير.
ومن لطائف التربية أن الكظم أقوى من الرد. فالقادر على الانتقام حين يعفو يكون قد انتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره. ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقد عبّر الحكماء عن هذا المعنى بقولهم:
أول الغضب جنون، وآخره ندم.
الغضب الفردي إذا لم يُضبط قد يتحول إلى غضب جماعي. كلمة تشعل جدالًا، وجدال يتحول إلى خصومة، وخصومة تتسع حتى تصير صراعًا. وهنا تتجلى أهمية الإنسان المتزن الذي يختار التهدئة لا التصعيد.
بناء الإنسان لا يعني أن يخلو من المشاعر، بل أن يقودها لا أن تقوده. أن يجعل العقل قائدًا، والغضب تابعًا.
ورمضان مدرسة عملية لهذا التوازن. فهو لا يكتفي بتعليم الامتناع عن الطعام والشراب، بل يدرب النفس على الامتناع عن الانفلات.
فهل نسمح للغضب أن يرسم ملامحنا، أم نجعله طاقة منضبطة تُستخدم في نصرة الحق دون تجاوز؟





