جدية عثمان تكتب: امرأة تغسل الوجع… ولا تنحني

جدية عثمان تكتب: امرأة تغسل الوجع… ولا تنحني
في زاوية منسية داخل مركز إيواء للنازحين في منطقة الثورة بمدينة بورتسودان، جلست هذه السيدة تغسل الثياب بيدين أثقلتهما الأيام. للوهلة الأولى قد يبدو المشهد بسيطًا، غير أن الحقيقة أعمق بكثير من رغوة الماء وصوت احتكاك الملابس. فهي لا تغسل ملابسها فقط، بل تغسل هموم الحياة ورهق العيش. تعصر بين يديها لحظات الألم والنزوح القاسي، وذكريات بيتها الذي دُمر على يد الميليشيا، بيت كان يضم أحلامها الصغيرة ويمنحها أمانًا لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة.
كانت تغسل ما التصق بكرامتها من غبار الفقد والحرمان، وتستعيد في كل حركة حقها الطبيعي في حياة كريمة، متشبثة بما بقي لها من قوة. لم تكن وحدها التي تُعيد ترتيب تفاصيل يومها داخل المركز، بل كانت مع أخريات يبحثن في الزوايا عن شعاع أمل يخفف عنهن ما أثقل الروح.
أما هي، فكانت مع كل قطعة تُنهي غسلها ترفع عينيها إلى السماء، وكأنها تحاور القدر، وتتهيأ قلبها للغد. تتعايش مع قسوة المكان، لكنها لم تستسلم؛ تنتظر الفرح، تستدعي الصبر، وتحتضن حلم العودة… العودة إلى بيتها، إلى ما تبقّى من حياتها التي تستحق أن تُرمّم مهما عصفت بها الأيام.






