مقالات

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..الرقمنة وسيادة الدولة: كيف نحمي الأمن القومي في عصر البيانات؟

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..الرقمنة وسيادة الدولة: كيف نحمي الأمن القومي في عصر البيانات؟

 

 

لم تعد السيادة اليوم محصورة في حدودٍ تُرى، ولا في جيوشٍ تتحرك على الأرض، بل أصبحت تُقاس بقدرة الدولة على حماية بياناتها، وضبط فضائها الرقمي، ومنع أي جهة — صديقة كانت أم عدوّة — من التسلل إلى عمقها المعلوماتي. وفي عصر تتدفق فيه البيانات كما يتدفق الماء في النهر، يصبح الانتقال إلى الرقمنة الشاملة خيارًا لا مفرّ منه، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى وعيٍ دقيق يوازن بين الحداثة وحماية الأمن القومي، بين تسريع الخدمات وصون الخصوصية المشروعة، وبين دولة تعمل بكفاءة ودولة لا تُستباح معلوماتها. فالسؤال لم يعد: هل نُرقمن؟ بل كيف نُرقمن دون أن نخسر سيادتنا الرقمية وهويتنا الوطنية؟

إن الدول التي سبقت في هذا الميدان — من إستونيا إلى الصين وسنغافورة وفنلندا، كلٌّ وفق نموذجه السياسي والحوكمي الخاص — أدركت مبكرًا أن الرقمنة ليست مجرد تحويل الأوراق إلى شاشات، بل هي بناء منظومة سيادية كاملة، تُحكم فيها السيطرة على البيانات كما تُحكم السيطرة على النفط والسلاح والموارد الاستراتيجية. فلا دولة بلا سيادة على حدودها الرقمية، ولا نهضة بلا رقمنة، ولا رقمنة بلا أمن سيبراني يحمي قلب الدولة من الاختراق والعبث والاستهداف.

والحكمة هنا أن ندرك أن الخطر الأكبر ليس في الرقمنة ذاتها، بل في الرقمنة غير المنضبطة؛ تلك التي تُفتح فيها قواعد البيانات بلا حراسة، وتُخزَّن فيها المعلومات في خوادم خارج البلاد، وتُدار فيها المنظومات بلا تشفير، ولا شبكات مؤمّنة، ولا تشريعات رادعة. أما الرقمنة الرشيدة فهي التي تجعل الدولة أقوى لا أضعف، وأكثر سيطرة لا أقل، لأنها تقوم على مبدأ بسيط: كل معلومة تُحمى بقدر حساسيتها، وكل نظام يُحصَّن بقدر قربه من الأمن القومي، وكل خطوة تُبنى على أساس السيادة قبل التقنية، لا على حساب حقوق الأفراد ولا على حساب كفاءة الدولة.

وتبدأ هذه السيادة من الفصل الواضح بين مستويات البيانات؛ فليست كل معلومة تُتاح، ولا كل قاعدة تُفتح. فهناك بيانات عامة لا خطر فيها، وبيانات إدارية تحتاج إلى تنظيم، وبيانات حساسة تتطلب عناية خاصة، ثم هناك البيانات السيادية التي تتعلق بالمؤسسة العسكرية والأمنية والمالية، والسجل المدني، والمعابر، والحدود. وهذه ينبغي أن تُصان كما يُصان السلاح والوثائق السرية، وألا تكون في متناول أحد إلا وفق صلاحيات دقيقة، لا يدخلها العبث ولا المجاملة، وبما يحفظ الخصوصية الفردية التي لا تُصان في الحقيقة إلا داخل منظومة سيادية منضبطة. ومن هنا تُبنى طبقات الوصول المتدرج، بحيث يعرف كل موظف حدوده الإلكترونية قبل حدوده الإدارية.

ثم تأتي الخطوة الأعمق: استضافة البيانات داخل الدولة لا خارجها. فليس من السيادة في شيء أن تُحمَل قواعد بيانات المواطنين أو المؤسسات أو الجمارك أو الضرائب في خوادم تملكها شركات أجنبية، مهما حسنت نواياها أو تقدمت تقنياتها. ولذا لا بد من إنشاء مركز بيانات وطني سيادي، يحتفظ بنسخ احتياطية معزولة، ويُدار بأيدٍ وطنية عالية التدريب، تُحسن الدفاع كما تُحسن الإدارة. فالدول لا تحتفظ بجيوشها خارج حدودها، فلماذا تحفظ بياناتها هناك؟

ولأن الخطر الرقمي لا يأتي من الخارج فقط، بل أحيانًا من الداخل، يصبح التشفير الشامل للبيانات ضرورةً لا رفاهية، بحيث تبقى المعلومات بلا قيمة حتى إن وصلت — في لحظة عطب أو خرق — إلى يد غير مخوّلة. ويوازي ذلك إنشاء شبكة حكومية مغلقة تُربط بها المؤسسات السيادية بعيدًا عن الشبكة العامة، في مسار منفصل لا تبلغه يد مخترق ولا فضول مستطلع. فهكذا تفعل الدول المتقدمة، وهكذا ينبغي للدول الصاعدة أن تفعل إذا أرادت بناء اقتصاد حديث ودولة قوية.

ولا تكتمل السيادة الرقمية دون نظام صارم لإدارة الصلاحيات، يُسجّل كل حركة، وكل دخول، وكل عملية، لتكون الدولة قادرة على معرفة: من دخل؟ ومتى؟ ولماذا؟ وماذا فعل؟ فالأمن السيبراني — شأنه شأن الأمن الجنائي — يقوم على تتبع الأثر قبل منع الجريمة. ثم تُضاف إلى ذلك فرق الاختبار والاختراق الأخلاقي، التي تتقصّى الثغرات باستمرار قبل أن يصل إليها العدو، وتمنع الخطر قبل وقوعه.

وتقف التشريعات السيبرانية كالسور الحامي الذي يضبط الفضاء الرقمي كله، ويجعل الرقمنة محكومة بالقانون لا بالاجتهادات الفردية. فلا رقمنة بلا قانون لحماية البيانات، ولا دولة حديثة بلا قانون للسيادة الرقمية، ولا اقتصاد رقمي بلا تشريع يجرّم القرصنة، ويعاقب تسريب المعلومات، ويحدد بوضوح مسؤولية كل جهة وصلاحياتها. فالفوضى الورقية كانت بابًا للفساد والتلاعب، أما الفوضى الرقمية فأخطر، لأنها تُوسّع الخرق في لحظة واحدة.

وحين تتحقق هذه الأركان كلها — البنية الوطنية، والتشفير، والشبكات المغلقة، وفصل البيانات، والتشريعات الصارمة، والكوادر المؤهلة — يصبح الأمن القومي أقوى مما كان عليه في أي زمن مضى. بل إن الرقمنة، حين تُبنى بناءً محكمًا، تتحول من مصدر قلق إلى حائط صدٍّ منيع، تُغلق أبواب الفساد، وتمنع التلاعب، وتكشف الخلل فور وقوعه.

وهكذا يتضح أن الرقمنة ليست خصمًا من الأمن القومي، بل هي درعه الجديد وسياجه المعاصر، وطريقه إلى السيادة الحقيقية في عصر لا قيمة فيه لدولة لا تملك سيطرتها على بياناتها. فالذي يخشى الرقمنة إنما يخشى رقمنة غير منضبطة، أما الرقمنة الرشيدة فهي التي تجعل الدولة أكثر أمنًا، وأكثر قوة، وأكثر استعدادًا لغدٍ لا مكان فيه للورق، ولا للفوضى، ولا للبيانات المبعثرة. وما ذُكر هنا ليس دليلًا تقنيًا تفصيليًا، بل إطارٌ سياديٌّ حاكم ينبغي أن تُبنى تحته السياسات التنفيذية كافة. إنها الطريق إلى دولة حديثة متماسكة، ذات سيادة معلوماتية، تُرقمن لتقوى، وتبني لتنهض، وتحمي لتبقى.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى