مقالات

صرخة وطن: لحظة القرار بين السودان وجنوب السودان

د. الشاذلي عبداللطيف

ليست كل الصرخات تغير الواقع لكن بعض الصرخات تأتي في لحظة لا يحتمل فيها الصمت. وهذه هي تلك اللحظة.
بعد اكثر من عقد على انفصال جنوب السودان، لم تعد الاسئلة القديمة كافية، ولم تعد الاجابات التقليدية مقنعة. فقد اثبتت الوقائع ان الانفصال لم يكن نهاية للازمة، بل اعادة تشكيل لها. الازمات الاقتصادية تتفاقم في البلدين، النزاعات لم تختف، والاستقرار ما زال هشا. والاسوأ من ذلك ان المواطن في جوبا كما في الخرطوم لا يزال يدفع الثمن.
نكتب هذا النداء من واقع نعيشه، لا من موقع تنظير.
المواطن اليوم لا يسال عن شكل الدولة، بل عن قدرته على العيش بكرامة:
هل هناك امان؟
هل هناك عمل؟
هل هناك مستقبل؟
هذه الاسئلة، ببساطتها، تكشف حقيقة عميقة:
ان ما يجمع السودان وجنوبه اكبر بكثير مما فرقته السياسة.
لكن هذه الحقيقة، رغم وضوحها، لم تترجم بعد الى ارادة سياسية كافية. بل على العكس، ما زالت العلاقة بين البلدين تدار بعقلية الشك والتوجس، وهي عقلية لم تعد فقط غير مجدية، بل اصبحت خطرا مباشرا على استقرار الطرفين.
الحدود قد ترسم خطوطا على الخريطة لكنها لا تستطيع ان تفصل مصير الشعوب.
ان اللحظة الحالية ليست عادية، بل مفصلية.
اما ان تتحول الى نقطة انطلاق نحو الاستقرار والتكامل،
او الى بداية مرحلة اكثر تعقيدا وكلفة.
ومن هنا، فان هذه “الصرخة” ليست دعوة عاطفية للوحدة، ولا محاولة للعودة الى الماضي، بل نداء لبناء علاقة جديدة تقوم على الشراكة والواقعية والمصلحة المتبادلة.
ولكي لا تبقى هذه الدعوة في اطار الخطاب، فان المطلوب اليوم خطوات واضحة ومحددة:
اطلاق حوار سياسي رسمي ومباشر خلال الاشهر القادمة لا يحتمل التاجيل
تشكيل مجلس تنسيق مشترك دائم لادارة الملفات الاستراتيجية بين البلدين
تفعيل التعاون الاقتصادي خاصة في مجالات النفط والتجارة والبنية التحتية
تنظيم وتسهيل حركة المواطنين عبر الحدود بما يعزز التفاعل والاستقرار
هذه ليست تنازلات سياسية، بل استثمارات في المستقبل.
الى الشعوب في السودان وجنوب السودان:
انتم لستم خارج المعادلة. دوركم اساسي في رفض خطاب الكراهية، ودعم كل مسار يقود الى السلام والتعاون. فالوحدة باي شكل من اشكالها لن تبنى بقرارات فوقية، بل بارادة شعبية واعية.
والى صناع القرار:
ان التاخر في اتخاذ خطوات عملية لم يعد مجرد بطء سياسي، بل اسهام مباشر في تعميق الازمات. المسؤولية اليوم ليست في ادارة الواقع، بل في تغييره.
لقد اثبتت تجارب دول عديدة ان التكامل التدريجي يمكن ان يحول الصراع الى شراكة، وان الارادة السياسية حين تتوفر قادرة على تجاوز اكثر الانقسامات تعقيدا. والسؤال الان: هل تتوفر هذه الارادة؟
في النهاية، هذه الصرخة ليست خيارا بل تحذير.
فاما ان تتحول الى فعل سياسي مسؤول،
او نكون جميعا شهودا على فرصة اخرى تهدر.
والتاريخ كما نعلم لا يمنح الفرص مرتين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى