مقالات

شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة الثالثة عشر فوهة الغدر

رمضان محجوب يكتب | انواء الروح

 كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف ظهراً، في أول أيام عيد الأضحى المبارك، والجو مشبع برائحة الموت المتربص التي طغت على أريج الأضاحي في حواري “الصفوة”، حيث فرغنا للتو من صلاة الظهر جماعة، في طقس روحاني حاولنا فيه اختطاف سكينة مستحيلة وسط صخب المدافع الذي لم يحترم جلال العيد ولا حرمة الدماء.

​■ وفي تلك الخلوة القلقة، تحلقنا على سجادة الصلاة؛ أنا وعلي شريف ومحمد عبد الله يعقوب ونجلي عبد الخالق، نرتشف عصير “الكركدي” المثلج كأننا نتجرع آخر قطرات الحياة قبل الهجير، وبينما كانت أنفاسنا تهدأ، اقتحم الصمت “بشير”، صبي البقالة، والذعر قد خط على وجهه ملامح جنازة وشيكة وهو يصرخ: “هناك من يريدك بالخارج يا عم رمضان”.

​■ في تلك اللحظة الخاطفة، انسلّ برد المقابر في عمودي الفقري، وأدركت بحدس القلم الذي عاصر الانكسار أن دوري في مأساة الاعتقال قد أزف، وأن زبانية المليشيا الذين أحالوا نهارات الخرطوم إلى كوابيس قد وصلوا أخيراً لينتزعوا روحي من عتبة داري، فاستعدت لمواجهة المصير بقلبٍ يداري رجفته خلف قناع من الثبات.

​■ وبحركة باردة كأنها طقس انتحاري، أغلقت هاتفي الذكي الذي يغص بفيديوهات توثق سحق الجيش لهؤلاء الأوباش، وهي تهمة في عرفهم تعني الإعدام الفوري دون رفة جفن، ألقيت بالهاتف تحت السرير في ظلامٍ يشبه حفرة القبر، وتحسست هاتفي “ربيكا” في جيب جلبابي كرفيقٍ وحيد في رحلة لا يعلم منتهاها إلا الله، وخرجت أجر خطاي نحو المجهول.

​■ لم تنجح توسلاتي في إبقاء رفاقي علي شريف ومحمد عبد الله بالداخل، فقد استعرت فيهما نخوة لا تروضها المدافع، وخرجا معي بصدور عارية لمواجهة مشهد يختزل القبح: مليشيان يمتطيان دراجات بخارية كأنهم رسل الجحيم، أحدهما يفيض بمكر الاستخبارات يحمل بندقية قنص، والآخر وحش كاسر يحتضن “كلاشينكوفه” في وضعية إطلاقٍ لا تقبل الجدل.

​■ قبل أي تحية، عاجلانا بسؤال حاد كالمقصلة: “من منكم صاحب المنزل؟”، حينها تيقنت أن الوشاة قد غرسوا خناجرهم في ظهري، وأكملوا مهمتهم القذرة بإبلاغ هؤلاء القتلة عن انحيازي للجيش، فتقدمت بخطى لم تهزها رهبة الموت وقلت: “نعم، أنا صاحب البيت والبقالة”، فارتسمت على وجه الضابط نظرة احتقار كفيلة بإحراق مدينة بأكملها.

​■ سألني بغلظة: “ما اسمك؟”، فأجبته بهدوء المودعين: “رمضان محجوب“، ليلتفت بعدها لرفيقه القابع خلف الزناد ويسأله بنظرة صامتة “أهو هو؟”، فأجابه الآخر بصرير أسنان مسموع: “نعم، إنه هو المقصود”، فدارت الأرض بي لدورات، وأدركت أنني لم أعد مطلوباً للتحقيق، بل مطلوباً للذبح على قارعة الطريق.

​■ تواصل الاستجواب العبثي تحت شمسٍ لا ترحم، وحين أعلن الضابط بلهجته الجافة: “أنت مطلوب للذهاب معنا”، لم أملك إلا أن أقول “جداً”، فهي الكلمة التي قد تشفي غليل بندقيته لثوانٍ، وهنا تدخل الصحفي محمد عبد الله بنخوة مزلزلة: “الزول دا مالو؟”، ليرتد عليه الضابط بصرخة حيوانية: “وأنت من؟”، فأجابه محمد بيقين: “أنا أخوه وصديقه”.

​■ “أنت ذاتك تعال معه”، هكذا صدر الحكم، ثم التفت الضابط نحو الشيخ علي شريف الذي كان يقلب مسبحته في صمتٍ نبوي، وحين علم أنه “ترزي” متقاعد، تفجر غضب الضابط كبركانٍ مسموم وهو يصرخ: “كلكم مجرمون.. أنتم استخبارات الجيش، أنتم من أعطيتم الإحداثيات لقصفنا أمس”، فعلمنا أننا أمام فصلٍ من التنكيل لا تحكمه قوانين الأرض.

​■ كنت أرقب بعين الأب نجلي “عبد الخالق”، وكان الغليان في عينيه ينذر بكارثة، فقررت المناورة لإنقاذه، قلت للضابط بسرعة: “دعني أعطي هذا الولد المال الذي بجيبي”، لم يكن معي إلا حفنات زهيدة، لكنها كانت طعماً لأهمس في أذنه بكلمات الوداع الأخيرة: “اهدأ يا بني، أغلق البيت وارحل فوراً إلى مدني، اتركنا لمصيرنا وانجُ بنفسك”.

​■ سخر الجنجويدي بضحكة شيطانية: “يا عمك، قروشك نوديها وين؟ أعطيها لولدك”، مالت روحي مع المال ليد عبد الخالق، وأحسست ببرودة أصابعه، فشددت عليها كأنني أودع فيه سر البقاء، ثم تم اقتيادنا نحن الثلاثة كما تُساق القرابين، دراجة في الأمام تقودنا للمذبح، وأخرى خلفنا تضع فوهة البندقية في ثغرة القفا.

​■ كان المشهد سريالياً بامتياز؛ ثلاثة شيوخ يساقون باحتقار تحت وطأة صبيان لم يبلغوا الحلم في العقل لكنهم بلغوه في القتل، اتجهوا بنا شرقاً نحو ميدان “مربع ستة”، وكانوا يأمروننا بالتباعد وعدم الحديث، كأنهم يخشون حتى من تلاحم أرواحنا، بينما كانت الوجهة معتقلاً مؤقتاً قبل الجحيم الأكبر في “معسكر الكونان”.

​■ كنت أسير في ذيل القافلة المهينة، أراقب ظهر محمد وعلي وأدعو الله أن يلطف بشيبتنا، وبينما كنا نعبر الميدان، توقفت الدراجة الخلفية فجأة، وسمعت صرير المعدن وترجل المليشي بغضبٍ أعمى، وهو يتمتم بشتائم تخدش حياء السماء، ثم رأيته يتخذ وضعية القناص المحترف، مثبتاً كعقب بندقيته في كتفه بتركيزٍ مميت.

​■ التفت بقلبٍ يكاد يقفز من صدري، فإذا به يصوب فوهة الموت نحو هدفٍ بعيد، تطلعت خلفي فإذا بالفاجعة تتجسد: إنه “عبد الخالق”، ابني الذي لم يحتمل فراق أبيه وهو يساق للمجهول، فلحق بنا بقلبه الأخضر متجاهلاً تحذيري، كان يقف على بعد مائتي متر، شاخصاً ببصره نحوي، لا يدري أن رصاصة الغدر باتت تفصله عن الخلود أمتاراً.

​■ تيبست أطرافي وصرخت الروح في داخلي صرخةً هزت أركان “الصفوة”، نسيت الاعتقال، ونسيت المليشيا، ونسيت الموت القادم لي، ولم أرَ إلا تلك الفوهة الموجهة لصدر ابني، فاندفعت نحو الجنجويدي بجنون الأب الذي لا يخشى الرصاص، وصرخت في وجهه بملء صوتي الذي شق سكون الظهر: “ماذا تفعل؟! اقتلني أنا واترك الولد

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى