رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (17 من 29): الإحسان… معيار التميز الإنساني
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

إذا كان العدل يمنع الظلم، فإن الإحسان يرتقي بالإنسان إلى الكمال الممكن. فالعدل أن تعطي كل ذي حق حقه، أما الإحسان فهو الزيادة على الحق فضلًا، والانتقال بالفعل من مجرد الأداء إلى مرتبة الإتقان.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
وقد بيّن المفسرون أن العدل هو إعطاء الحقوق الواجبة، أما الإحسان فهو الزيادة على ذلك بالفضل والبر. قال الإمام ابن عاشور في تفسيره: إن ذكر الإحسان بعد العدل يدل على أن الشريعة لا تقف عند حدود الإنصاف المجرد، بل تدعو إلى ترقية العلاقات الإنسانية إلى مرتبة الفضل والإتقان.
وفي الحديث العظيم حين سأل جبريل النبي ﷺ عن الإحسان قال:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
(رواه مسلم).
إنها أعلى درجات الوعي الإيماني؛ حضور دائم مع الله، ورقابة داخلية لا تحتاج إلى شاهد خارجي.
والإحسان لا يقتصر على العبادة وحدها، بل يمتد إلى كل جوانب الحياة. قال النبي ﷺ:
«إن الله كتب الإحسان على كل شيء»
(رواه مسلم).
فالإحسان قاعدة عامة في السلوك الإنساني، تشمل العبادة والعمل والمعاملة.
قال ابن القيم رحمه الله:
“الإحسان هو أن يكون العمل على وجه الكمال في الظاهر مع حضور القلب في الباطن.”
ومن هنا كان الإحسان ميزان التميز الحقيقي في حياة الإنسان؛ لأن الإنسان المحسن لا يعمل لمجرد الإنجاز، بل ليبلغ أعلى ما يستطيع من الإتقان.
وفي رمضان تتجلى معاني الإحسان في صور متعددة:
في قيامٍ طويل،
وفي صدقةٍ خفية،
وفي صبرٍ جميل،
وفي عفوٍ عند المقدرة.
إنه انتقال من أداء الفريضة إلى تذوق القرب.
وقد أشارت دراسات حديثة في علم الإدارة إلى أن ثقافة الجودة والإتقان المستمر هي الفارق بين المؤسسات العادية والمؤسسات الرائدة. والإحسان في المنظور الإيماني يرسخ هذا المعنى، لكن بدافع أعمق: مراقبة الله.
الإحسان يربي الضمير على سؤالٍ مختلف:
هل قدمت أفضل ما أستطيع؟
لا أن يكتفي الإنسان بالسؤال: هل أديت الحد المطلوب؟
وهذا الفارق هو الذي يصنع التميز.
ومن لطائف المعنى أن الإحسان يعيد تشكيل نظرة الإنسان لنفسه؛ فهو لا يعيش بمنطق النجاة فقط، بل بمنطق الارتقاء. لا يسأل: كيف أتجنب الخطأ؟ بل: كيف أبلغ مرتبة أعلى؟
إن بناء الإنسان لا يكتمل بمجرد الالتزام الظاهري، بل بالسعي الدائم نحو الكمال الممكن. والإحسان هو هذا السعي.
فهل نكتفي بأداء الواجب، أم نرتقي إلى مرتبة الإحسان حيث تتحول الأعمال إلى آثار، والواجبات إلى جمال؟





