مقالات

المحول المالي… حين يسبق سؤال الحوكمة سؤال التقنية

بهدوءٍ وتدبّر.. محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب 

 

تداولت الاوساط الاعلامية  في الأيام الماضية قضية حصول إحدى الشركات على رخصة مشغل المحول المالي، كما اطلعت على البيان التوضيحي الصادر بشأن الانتقادات التي وُجهت إلى هذا الترخيص. والحقيقة أن هذا الملف لا ينبغي أن يُناقش بمنطق التشهير أو الدفاع العاطفي، ولا بمنطق الخصومة مع أشخاص أو شركات، وإنما بمنطق المصلحة العامة؛ لأن الأمر يتعلق ببنية مالية رقمية وطنية تمس البنوك والمواطنين والتجار والمغتربين والتحويلات والتسويات، وربما تمتد آثارها مستقبلًا إلى الضرائب والجمارك والشمول المالي كله.

أوضح البيان أن المحول المالي بنية تحتية رقمية مهمة، وأن الرخصة ليست حصرية، وأن الشركة حصلت عليها من بنك السودان المركزي، الباب مفتوح لكل من يستوفي الشروط. وهذه توضيحات قد تكون مفيدة في ظاهرها، لكنها لا تكفي وحدها لطمأنة الرأي العام؛ لأن أصل السؤال لم يكن: هل المحول المالي مهم؟ فهو مهم بلا شك. ولم يكن: هل التحول الرقمي مطلوب؟ فهو مطلوب وضروري. ولم يكن حتى: هل الشركة مرخصة؟ فالرخصة في ذاتها لا تغلق باب النقاش، ولا تجيب عن جوهر المخاوف.

السؤال الحقيقي هو: كيف مُنحت هذه الرخصة؟ وهل سبقتها منافسة حرة ومعلنة وشفافة؟ وهل أُتيح الأمر لكل الشركات المؤهلة بوقت كافٍ؟ وهل نُشرت الشروط والمعايير الفنية والمالية والأمنية؟ وهل عُرفت الجهات التي تقدمت، ومن قُبل منها ومن رُفض ولماذا؟ وهل وُضعت ضمانات كافية تمنع الاحتكار أو شبه الاحتكار أو أفضلية الأمر الواقع؟ فالمسألة هنا لا تتعلق باسم شركة بعينها بقدر ما تتعلق بطريقة إدارة الفرص الاستراتيجية في بلد يعاني أصلًا من ضعف الثقة في المؤسسات والقرارات العامة.

والقول إن الرخصة ليست حصرية لا يبدد المخاوف وحده؛ لأن الاحتكار لا يكون قانونيًا فقط، بل قد يكون عمليًا أيضًا. فقد تكون الرخصة مفتوحة في النصوص، لكن جهة بعينها تحصل على سبق تشغيلي، أو ترتبط مبكرًا بعدد من البنوك، أو تملك موقعًا مؤثرًا في الربط، أو تفرض رسومًا وشروطًا تجعل المنافسة اللاحقة ضعيفة أو شكلية. لذلك لا يكفي أن يقال إن الباب مفتوح، بل يجب أن تُنشر القواعد التي تثبت أن الباب مفتوح فعلًا، لا أن يبقى الأمر عبارة عامة في بيان علاقات عامة.

كما أن الاستناد إلى أن أفضل الممارسات الدولية تجعل البنك المركزي منظمًا والقطاع الخاص مشغلًا لا ينبغي أن يُستخدم كغطاء عام يتجاوز أسئلة الحوكمة. فالممارسات الدولية لا تعني إشراك القطاع الخاص فقط، بل تعني المنافسة المعلنة، والإفصاح، وحماية البيانات، ومنع تضارب المصالح، وضبط الرسوم، وضمان التشغيل البيني، وحماية المستهلك، واستقلالية الرقابة، وإلزام المشغلين بمعايير الأمن السيبراني واستمرارية الخدمة. أما أن نأخذ من التجارب الدولية عنوانها ونترك شروطها، فذلك لا يبني ثقة ولا يؤسس تحولًا رقميًا سليمًا.

والتحول الرقمي المالي ليس تطبيقًا تجاريًا عاديًا، ولا مشروعًا خاصًا محدود الأثر، بل هو بنية تحتية مالية وطنية. لذلك فإن أي غموض في طريقة الترخيص أو التسعير أو الربط أو حماية البيانات أو علاقة الشركة بالبنوك يصبح غموضًا في بنية مالية وطنية، لا شأنًا داخليًا لشركة خاصة. ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى إجابات واضحة: ما شروط الرخصة تفصيلًا؟ متى أُعلن عنها؟ ما معايير التقييم؟ ما حدود دور بنك السودان في الرقابة الفنية والمالية؟ ما رسوم الخدمة والعمولات؟ من يملك البيانات؟ كيف تُحمى بيانات العملاء؟ كيف يُضمن الربط العادل بين كل البنوك والمشغلين؟ ما خطة الطوارئ عند التعطل؟ وما الضمانات ضد تركّز النفوذ في يد جهة أو مجموعة جهات؟

ولا يصح أن يتحول النقاش إلى دفاع عن كفاءة الأشخاص أو الشهادات أو أسماء البنوك المشاركة. فقد تكون الشركة مؤهلة، وقد تكون الكفاءات ممتازة، وقد يكون الشركاء معتبرين، ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا: هل أُديرت الفرصة بمنهج عام شفاف يتيح لكل مؤهل أن ينافس؟ أم أن الرأي العام وجد نفسه أمام أمر واقع ثم طُلب منه أن يطمئن لأن الترخيص صدر؟ فالقضية ليست في الأشخاص، بل في معيار إدارة البنى العامة والفرص السيادية.
وبالنظر إلى واقع السودان الحالي، وضعف البنى التحتية في مجالات التقنية العامة، وتقنية

المعلومات، والحوكمة، والرقمنة، والأمن السيبراني، واختلال البيئة العامة، فإن الأوفق أن تظل مثل هذه البنى المالية السيادية في هذه المرحلة تحت إشراف وتشغيل مباشر من بنك السودان المركزي أو جهة وطنية سيادية مختصة، أو ألا يُشرك القطاع الخاص فيها إلا ضمن إطار حاكم صارم ومعلن، وبعد اكتمال الحد الأدنى من الحوكمة والرقابة والأمن السيبراني. فالقطاع الخاص يمكن أن يكون شريكًا مهمًا في التطوير والتشغيل والابتكار، لكن إشراكه في بنية مالية بهذه الحساسية لا ينبغي أن يتم قبل وضوح القواعد، واكتمال الحوكمة، ونشر المعايير، وضمان حماية البيانات، وتحديد المسؤوليات، ومنع الاحتكار، وتوفير رقابة مستقلة وفاعلة.

والرد الحقيقي لا ينبغي أن يأتي من الشركة وحدها أصلًا، بل من بنك السودان المركزي، باعتباره الجهة المنظمة والمانحة للرخصة. فمن واجب البنك المركزي أن ينشر الإطار التنظيمي بوضوح: شروط الترخيص، وعدد الرخص، ومعايير التقييم، والجهات المرخصة، وضمانات المنافسة، وقواعد الرسوم، وحماية البيانات، وإجراءات الرقابة والتدقيق والمساءلة.

فكلما غاب الإفصاح الرسمي تمددت الشكوك، وكلما وُجدت الشفافية ضاقت مساحة الاتهام والتأويل.
وهذا كله يؤكد ما ظللنا نكرره: لا يمكن أن ينجح التحول الرقمي في بيئة يغيب عنها إصلاح البيئة العامة. فالرقمنة بلا حوكمة قد تتحول إلى تركّز ضار أو أفضلية غير عادلة، والقطاع الخاص بلا منافسة شفافة قد يجد نفسه في وضع تنافسي غير متكافئ، والترخيص بلا إفصاح قد يصبح بابًا للريبة، والمشروع التقني بلا قواعد معلنة قد ينقل الخلل القديم من الورق إلى الشاشة. ولذلك لا بد من حزمة إصلاح كاملة: حوكمة، وشفافية، ورقمنة، ومنافسة حرة، وإفصاح، وحماية بيانات، ورقابة مستقلة، ومنع احتكار.

وخلاصة القول أن القضية ليست شركة بعينها، ولا المحول المالي وحده، بل هي اختبار لطريقة إدارة الدولة لمشروعاتها الرقمية والمالية السيادية. فإذا كان المسار سليمًا فستحميه الشفافية، وإذا كان الإطار قويًا فسيطمئن الناس. أما إذا ظل الغموض قائمًا، فسيبقى السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تحول رقمي وطني مفتوح، أم أمام مسار يحتاج إلى قدر أكبر من الإفصاح والضمانات حتى لا يُفهم أو يتحول إلى امتياز باسم التقنية؟ وما لم تُصلح

البيئة العامة أولًا أو بالتوازي، فإن الخطر الأكبر أن ننتقل من غموض الإجراءات الورقية إلى غموض المنصات الرقمية، ومن اختلال الإدارة التقليدية إلى اختلال الإدارة الرقمية.

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى