
ليس من المبالغة القول إن مستقبل السودان الاقتصادي يمر عبر الحقول قبل أن يمر عبر الأسواق. فالزراعة، التي ظلت لعقود تُعامل كقطاع تقليدي محدود الأثر، تملك في حقيقتها القدرة على أن تكون المشروع الوطني الجامع الذي يعيد صياغة الاقتصاد والمجتمع معًا. غير أن هذه الإمكانية الكبيرة ظلت معطلة، لا بسبب ضعف الموارد، بل نتيجة غياب الرؤية والإدارة الرشيدة.
يمتلك السودان واحدًا من أكبر الاحتياطيات الزراعية غير المستغلة في العالم، من حيث الأراضي الخصبة وتنوع المناخ وتوفر المياه. ومع ذلك، ظل الإنتاج الزراعي رهين أنماط تقليدية، تعتمد على الجهد الفردي أكثر من اعتمادها على التخطيط العلمي. والنتيجة كانت إنتاجية منخفضة، وتقلبات حادة، وعجز عن تحقيق قيمة مضافة حقيقية.
إن الإشكال لا يكمن في الزراعة كفكرة، بل في كيفية إدارتها. فغياب البنية التحتية، من طرق ومخازن ونظم ري حديثة، يُفقد المنتج الزراعي قدرته التنافسية. كما أن ضعف التمويل، وغياب التأمين الزراعي، يجعل المزارع عرضة للمخاطر، فيتردد في التوسع أو الاستثمار في التقنيات الحديثة.
لكن الأهم من ذلك، أن الزراعة لم تُدمج ضمن مشروع اقتصادي كلي، يربطها بالصناعة والتجارة والتصدير. فالمحاصيل تُنتج غالبًا دون رؤية واضحة للأسواق، ودون صناعات تحويلية تستوعب الفائض وتضيف إليه قيمة. وهكذا، يبقى الاقتصاد الزراعي في دائرة الإنتاج الخام، دون أن ينتقل إلى مراحل أكثر تطورًا وربحية.
غير أن تحويل الزراعة إلى مشروع وطني جامع يتطلب تغييرًا جذريًا في التفكير. فبدل النظر إليها كقطاع منفصل، يجب التعامل معها كمنظومة متكاملة، تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند المستهلك. وهذا يستدعي إدخال التكنولوجيا، وتطوير سلاسل الإمداد، وتحفيز الاستثمار في الصناعات المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، يمكن للزراعة أن تلعب دورًا يتجاوز الاقتصاد، لتصبح أداة للاستقرار الاجتماعي. فهي قطاع يستوعب أعدادًا كبيرة من القوى العاملة، ويمكن أن يُخفف من الهجرة إلى المدن، ويُعيد التوازن بين الأقاليم. كما أنها تُسهم في تحقيق الأمن الغذائي، وهو أحد أهم مرتكزات السيادة الوطنية.
غير أن هذا التحول لن يتم دون دور فاعل للدولة، ليس بوصفها منتجًا مباشرًا، بل كمنظم وميسر. فعليها أن تضع السياسات الواضحة، وتوفر البنية التحتية، وتضمن العدالة في الوصول إلى الموارد، خاصة الأرض والمياه والتمويل. كما أن الشراكة مع القطاع الخاص تُعد ضرورة، وليست خيارًا ثانويًا.
ولا يمكن إغفال أهمية البحث العلمي في هذا المجال، فالتحديات الزراعية اليوم لم تعد تقليدية، بل تتصل بتغير المناخ، وندرة المياه، وتدهور التربة. ومن دون مراكز بحثية فاعلة، وتواصل حقيقي بين الباحثين والمزارعين، ستظل الفجوة قائمة بين المعرفة والتطبيق.
إن الزراعة في السودان ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس إنتاجية عادلة. وإذا ما أُحسن استثمارها، يمكن أن تتحول من قطاع مهمّش إلى ركيزة أساسية للنهوض الوطني.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل نملك الشجاعة لننتقل من إدارة الزراعة كمعيشة يومية، إلى إدارتها كمشروع دولة؟ بين هذين الخيارين، تتحدد ملامح الغد.




