مقالات

عبق الذاكرة – الردود الجارحة

هدى الخليفة النور

ليست كل الجراح تُرى، فبعضها يولد من كلمة… من ردٍ عابر، قيل في لحظة غضب، أو بلا اكتراث، لكنه استقر في القلب كأنه لم يكن عابرًا أبدًا. فالردود الجارحة لا تحتاج إلى صوتٍ عالٍ، يكفيها أن تصيب موضعًا هشًا في داخلنا، حتى تترك أثرًا لا يُمحى بسهولة.

 

في عبق الذاكرة، تبقى الكلمات أكثر من المواقف أحيانًا. ننسى الوجوه، وتتلاشى التفاصيل، لكن عبارة واحدة قد تظل عالقة، تتردد في داخلنا كلما صادفنا شعورًا يشبهها. كأن الذاكرة تختار ما يؤلم لتحتفظ به، لا لتؤذينا، بل لتذكرنا بعمق ما عشناه. الرد الجارح ليس دائمًا مقصودًا، لكنه يصبح كذلك حين لا يُجبر، وحين لا يُفهم أثره.

 

فكم من كلمة قيلت على سبيل المزاح، لكنها سقطت على قلبٍ مثقل، فكانت أشد من الصراحة. وكم من صمتٍ كان أرحم من ردٍ جاء قاسيًا، بلا مبرر ولا رحمة. هناك من يبررون قسوة ردودهم بأنها “صراحة”، وكأن الصدق يحتاج إلى قسوة ليكون حقيقيًا. لكن الحقيقة أن الكلمة الطيبة لا تُنقص من المعنى، بل تزيده قبولًا، وتجعل الصدق أكثر إنسانية. فليس كل ما يُقال يجب أن يُقال كما هو، بل كما ينبغي أن يُقال.

 

وفي زوايا الذاكرة، نحمل تلك الردود كأنها جزء منا… نعيد قراءتها، ونحاول فهمها، وأحيانًا نلوم أنفسنا عليها، رغم أننا لم نكن سببًا في قسوتها. ومع الوقت، ندرك أن المشكلة لم تكن فينا دائمًا، بل في طريقة التعبير، في قلوبٍ لم تُحسن وزن الكلمات قبل إطلاقها. ومع ذلك، لا يعني أن نحمل هذه الجراح معنا إلى الأبد.

 

فالنضج الحقيقي أن نُدرك أن بعض الكلمات لا تستحق أن تسكننا طويلًا، وأن نختار ما نُبقيه في ذاكرتنا، لا أن نكون أسرى لكل ما قيل. الردود الجارحة قد تُكسر شيئًا في داخلنا، لكنها أيضًا تعلّمنا… تعلّمنا كيف نكون ألطف مع غيرنا، وكيف نختار كلماتنا بعناية، وكيف نمنح الآخرين ما كنا نحتاجه ولم نجده. في النهاية، عبق الذاكرة لا يتشكل فقط من اللحظات الجميلة، بل من تلك التي آلمتنا أيضًا… لأنها صنعت وعينا، وصقلت إحساسنا، وجعلتنا أكثر رحمة، وأكثر فهمًا، وأقل اندفاعًا في جرح الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى