مقالات

الإصلاح الحقيقي يبدأ من الجذر لا من الأطراف

بهدوء وتدبّر .. محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب |

 

تتكاثر الدعوات، ويتسابق العلماء والخبراء والمصلحون إلى طرح تصوراتهم لإنقاذ السودان، وإخراجه من وهدة الانهيار، وإعادة بعثه من رماد الأزمات المتطاولة. يتحدث بعضهم عن ضرورة اختيار الوزراء الأكفاء، ويتجه آخرون إلى  أولوية محاربة الفساد ، بينما يركز فريق ثالث على تجويد التعليم، أو تطوير الصادرات، أو ترميم البنية التحتية، أو تحسين التشريعات. والحق أن كل هذه الرؤى صحيحة ومهمة وضرورية، ولا يجادل عاقل في حسن نوايا أصحابها أو إخلاصهم في البحث عن المخارج. لكن المشكلة الكبرى لا تكمن في صحة الجزئيات، بل في غياب التشخيص الكلي.

فما لا ينتبه إليه كثيرون هو أن هذه التصورات، رغم ما فيها من خير، لا تتجاوز كونها فروعًا على شجرة ميتة الجذع. بل حتى إن اجتمعت، فإنها لن تثمر شيئًا يذكر ما لم تُزرع في تربة سليمة، وتُروَ من منبع الإصلاح الحقيقي، وتُدار في بيئة عامة متحررة من التشوهات البنيوية العميقة التي ظلت تفشل كل البرامج، وتبتلع كل الخطط، وتفرغ كل الجهود من مضمونها.

إن السودان لن يستقيم له حال، مهما كثر فيه العلماء والحكماء، ومهما تعددت فيه الرؤى، إن لم تُفتح الأبواب الكبرى التي منها يكون الدخول إلى عالم الدولة الحديثة: باب التحرير الاقتصادي الشامل، وباب الحوكمة الرشيدة، وباب الرقمنة المتكاملة. فالتحرير يطلق قوى المجتمع والإنتاج والاستثمار، والحوكمة تضبط الحرية بالقانون والمساءلة والشفافية، والرقمنة تنقل الدولة من التعامل الورقي المظلم إلى النظام المكشوف القابل للتتبع والمراجعة.

ولا يصلح أن تُطبّق هذه الحزمة مجزأة أو متباعدة أو متتالية على نحو يفصل بعضها عن بعض؛ إذ لا تقوم واحدة منها على وجهها الصحيح، ولا تثمر ثمرتها المرجوة، إلا بوجود الأخريات معها في الوقت نفسه. فالتحرير بلا حوكمة قد ينقلب إلى فوضى، والحوكمة بلا رقمنة تبقى عرضة للبطء والتلاعب، والرقمنة بلا تحرير اقتصادي حقيقي لا تفعل أكثر من نقل القيود القديمة إلى شاشة إلكترونية. ولذلك فالمطلوب تنزيل هذه الثلاثية متوازية ومتكاملة في وقت واحد، حتى تسند كل واحدة منها الأخرى، وإلا فسيبقى الوضع كما هو، أو يتحول إلى صورة أحدث من الخلل القديم وربما أسوأ.

والبيئة العامة التي تُدار فيها الدولة السودانية اليوم بيئة مختنقة، موبوءة بالتقييد، فوضوية في إدارتها، مظلمة في تعاملاتها، تقصي الشفافية، وتجافي الانضباط، وتفرخ الفساد، وتكرس العجز. وحتى أنبل الخطط لا تجد طريقها إلى التنفيذ، لأنها تسقط فور ولادتها في مستنقع التشوهات الكبرى: البيروقراطية، والتداخل المؤسسي، وغياب النظم، واقتصاد الظل، والتشريعات المعطلة. وهنا تأتي الحوكمة لتكون الميزان الذي يضبط الحركة العامة، ويحول الحرية من فوضى إلى نظام، ويضمن أن التحرير لا يعني الانفلات، وأن الرقمنة لا تتحول إلى أداة مراقبة عمياء أو فساد إلكتروني جديد.

ولهذا فإن إصلاح السودان لا يبدأ من الأطراف، بل من الجذر. لا يتحقق بترميم التعليم وحده، ولا بتيسير الصادر وحده، ولا حتى بإقالة الفاسدين وحدها، إن لم تُصلح المنظومة التي أنتجت التخلف أول مرة. والمنظومة لن تُصلح إلا بتغيير بيئة العمل العامة التي تنتج وتنفذ وتراقب وتحاسب.

فالتحرير الاقتصادي الشامل يطلق الطاقات، ويحرر السوق من التلاعب، ويخلق بيئة تنافسية عادلة، ويعيد النشاط الاقتصادي إلى مجراه الطبيعي. وفي قلب هذا التحرير تأتي قضية سعر الصرف، لا بوصفها مسألة فنية معزولة، بل بوصفها مفتاحًا من مفاتيح الثقة والاستثمار والصادر والوارد والتحويلات. فلا يمكن لاقتصاد أن ينهض وسعر عملته موزع بين سعر رسمي لا يعبر عن الواقع، وسوق موازٍ يعمل في الظلام، وتحويلات تتهرب من المصارف، وحصائل صادر لا تدخل القنوات الرسمية. إن تحرير سعر الصرف عبر منصة مركزية شفافة ومعلنة،

قائمة على العرض والطلب، هو نقل للدولار من الظلام إلى النور، ومن جيوب السماسرة إلى فضاء معلوم، ومن الفوضى إلى النظام، بحيث يدخل المصدر والمستورد والمغترب والمستثمر والبنك والصرافة في طريق رسمي واحد، واضح القواعد، مكشوف السعر، قابل للرقابة، ومطمئن لحركة المال دخولًا وخروجًا. عندها لا تكون الدولة قد تركت العملة للفوضى، بل تكون قد نزعت الفوضى من السوق، وجعلت السعر الحقيقي ظاهرًا أمام الجميع، بدل أن يبقى مختبئًا في السوق الموازي.

والحوكمة الرشيدة تضمن أن تعمل هذه الحرية ضمن نظام من العدالة والمساءلة والشفافية، فلا يستبد أحد، ولا يُظلم أحد، ولا تتحول الدولة إلى أداة احتكار أو جباية أو امتيازات. والرقمنة المتكاملة تعيد ضبط الدولة، وتمنع التسرب، وتكشف الفساد، وتخضع الإجراءات والرسوم والقرارات للتتبع والمراجعة. فحين تُرقمن الجمارك والضرائب والتراخيص والصادر والوارد، وحين توحد الرسوم، وتعلن القوانين واللوائح، وتختفي المعاملة الورقية المباشرة، تضيق أبواب الفساد من أصلها، لا بمجرد الوعظ والمطاردة.

هذه الثلاثية معًا — التحرير، والحوكمة، والرقمنة — هي المفاتيح التي تُفتح بها أبواب النهضة. وهي التي تحول النوايا الطيبة إلى مؤسسات فاعلة، والأفكار إلى واقع، والخطط الجزئية إلى حركة وطنية متكاملة. فلا معنى لدعوة المستثمر إذا لم يجد سعر صرف شفافًا، ولا معنى لدعم الصادر إذا لم تدخل حصائله عبر قنوات معلنة وعادلة، ولا معنى لمحاربة الفساد إذا بقيت الإجراءات مظلمة، ولا معنى لتطوير التعليم والإنتاج والبنية التحتية إذا ظلت البيئة العامة نفسها تطرد الكفاءة والتمويل والاستثمار.

وعكس ذلك صحيح أيضًا؛ فإن فُتحت هذه الأبواب الثلاثة، فإن آلاف الخطط الجزئية، من تطوير التعليم إلى دعم الإنتاج، ومن إصلاح الإدارة إلى بناء البنية التحتية، ستجد بيئة حاضنة تحفظها وتنتجها وتطورها، وستتكامل الجهود بدل أن تتبدد، وستخرج الدولة إلى النور كشجرة حياة مكتملة الجذور والجذع والفروع والثمار.

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الأفكار الجزئية بقدر ما يحتاج إلى كسر القيد الذي يمنع تلك الأفكار من الحياة. يحتاج إلى أرض جديدةأ  تُزرع فيها الرؤى لتثمر، لا إلى بيئة قديمة تذبل فيها كل مبادرة. ومن دون تحرير اقتصادي شامل، وحوكمة رشيدة، ورقمنة متكاملة، وفي القلب من ذلك سعر صرف حر شفاف عبر منصة معلنة، تُنزّل كلها معًا لا مجزأة ولا متباعدة، فإن كل ما يقال ويقترح سيظل في حيز التنظير، وسينضم إلى قائمة طويلة من الأمنيات المؤجلة التي لم، ولن، يُكتب لها أن تبصر الواقع.

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى