مقالات

اشتياق الكناني تكتب | الفساد والزراعة وعودة المواطنين.. أولويات الدولة في مرحلة التعاف

إذا كان الجنود يقاتلون العدو في ميادين المعارك، فإن الفساد يظل العدو الداخلي الذي يهدد تقدم الدولة ويقوض مؤسساتها من الداخل، فهو قضية ظلت تنخر في عظام هيكلة الدولة السودانية منذ القدم، دون وجود آليات واضحة وفاعلة للقضاء عليه أو الحد من تمدده. وقد ظل الفساد أحد أكبر العوائق أمام مسيرة البناء والتنمية، إذ يؤدي إلى إهدار الموارد، وتعطيل المشروعات، وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. ومن هنا يصبح لزاماً على أجهزة الدولة كافة أن تقوم بدورها الكامل في محاربة الفساد والمفسدين، من خلال تفعيل القوانين، وتعزيز الرقابة، وإعمال مبدأ

الشفافية والمحاسبة، حتى لا تتحول مكافحة الفساد إلى مجرد شعارات تُرفع دون نتائج ملموسة. فالمعركة ضد الفساد لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، لأنها معركة حماية الدولة وصيانة مقدرات الشعب، وهي مسؤولية جماعية تتطلب إرادة سياسية قوية وأجهزة تنفيذية يقظة قادرة على اجتثاث جذور الفساد من مواقع النفوذ ومراكز القرار.

شاهدنا عدداً من المشاريع الزراعية التي حصدت محصول القمح بكميات كبيرة وإنتاجية مفرحة، وهو ما يعكس الإمكانيات الكبيرة التي يمتلكها القطاع الزراعي السوداني إذا ما توفرت له الرعاية والاهتمام المطلوبان. إذ تظل الزراعة واحدة من أهم ركائز ودعائم الاقتصاد السوداني، وتُعد من أبرز روافد التنمية ومصادر الدخل القومي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وعليه، فإن على وزارة الزراعة أن تولي هذه الإنتاجية المتزايدة اهتماماً أكبر، وأن تعمل على تعزيزها وتطويرها بما يسهم في سد فجوة الحوجة الداخلية، ويفتح المجال كذلك للتصدير إلى الخارج بما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.

إن دعم الإنتاج الزراعي لا يكون فقط بالإشادة بالموسم الناجح، وإنما بتوفير متطلبات الزراعة الأساسية من مدخلات إنتاج، وتقاوي محسنة، وأسمدة، ووقود، ووسائل ري حديثة، إضافة إلى تقديم وسائل دعم منتجة للمزارعين، تمكنهم من زيادة الإنتاج وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. كما أن دعم المزارعين يسهم بصورة مباشرة في جهود إعادة الإعمار، خاصة في المناطق التي تأثرت بالحرب، ويعيد الحياة إلى الأراضي الزراعية التي تُركت بُوراً لفترات طويلة بسبب ظروف النزاع وتعثر المزارعين في توفير احتياجات الأرض.

إن إعادة تأهيل هذه الأراضي وإدخالها دائرة الإنتاج تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الأمن الغذائي، كما تسهم في توفير فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. والزراعة اليوم ليست مجرد قطاع إنتاجي، بل هي مدخل أساسي للتعافي الاقتصادي، وعلى الدولة أن تتعامل معها باعتبارها أولوية وطنية تتطلب التخطيط والدعم المستمر.

وفي إطار العودة الطوعية للسودانيين المقيمين في الخارج، تظل مطالب توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه من الأولويات المهمة لكل العائدين، إذ لا يمكن الحديث عن عودة مستقرة وآمنة دون وجود بيئة خدمية مناسبة تضمن الحد الأدنى من مقومات الحياة. فالعائدون يضعون في مقدمة تطلعاتهم توفر الخدمات الضرورية، باعتبارها أساس الاستقرار وإعادة الاندماج في المجتمع.

ورغم التفاؤل المرتبط بعودة المواطنين إلى مناطقهم، إلا أن الأوضاع الصحية الحالية تفرض تحديات لا يمكن تجاهلها، خاصة مع عودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في عدد من المناطق بولاية الخرطوم، وهو ما يجعل المخاوف الصحية أولوية لدى جميع العائدين. فضعف الخدمات الصحية، إلى جانب التحديات البيئية المرتبطة بتردي الإصحاح وانتشار النواقل، يزيد من حجم القلق ويستوجب تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة.

إن نجاح برامج العودة الطوعية لا يرتبط فقط بعودة المواطنين، بل بتهيئة الظروف التي تضمن استقرارهم، من خدمات أساسية، ورعاية صحية، وبيئة آمنة. وعلى الجهات المعنية أن تضع ملف العائدين ضمن أولوياتها، من خلال معالجة قضايا الخدمات، والتصدي للمهددات الصحية، حتى تصبح العودة خطوة نحو الاستقرار الحقيقي، لا مجرد انتقال من معاناة إلى أخرى. فعودة المواطنين تمثل مؤشراً على الأمل، لكن هذا الأمل يحتاج إلى دعم عملي يترجم إلى واقع ملموس.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى