مقالات

الأشواق…

هدى الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة

ليست الأشواق مجرد حنين عابر يمرّ كنسمةٍ خفيفة على أطراف القلب، بل هي حالة كاملة من الامتلاء بالغياب، امتلاءٌ يجعل الروح أثقل من أن تُحمل، وأخفّ من أن تُرى. هي ذلك الشعور الغامض الذي يتسلل إلى أعماقنا دون استئذان، فيعيد ترتيب الذاكرة على هيئة وجوه، وأصوات، ومواقف لا تزال حيّة رغم المسافات.

الأشواق لا تُقاس بالزمن، ولا تُحدّ بالمكان، فقد يشتاق الإنسان لمن رحل منذ أعوام طويلة، كما يشتاق لمن غاب بالأمس فقط. هي ليست مسألة وقت، بل مسألة أثر. فكلما كان الأثر عميقاً، كانت الأشواق أكثر حضوراً، وأكثر إيلاماً.
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة، وتتشابك فيه العلاقات، نظن أحياناً أننا قادرون على تجاوز كل شيء، لكننا نفاجأ بأن لحظة صمت واحدة، أو أغنية قديمة، أو حتى رائحة مألوفة،

كفيلة بأن تعيدنا إلى نقطة البداية، حيث يقف القلب عاجزاً أمام سيل الذكريات. هناك، في تلك اللحظة، ندرك أن الأشواق لا تُنسى، بل تُخبّأ في زوايا الروح، تنتظر لحظة ضعف لتعود بكامل قوتها.

الأشواق أيضاً ليست دائماً حزناً، بل قد تكون جمالاً خفياً، لأنها دليل على أننا أحببنا بصدق، وعشنا لحظات تستحق أن تُشتاق. فليس كل من مرّ بنا ترك هذا الأثر، وليس كل غياب يستحق هذا الوجع. الأشواق، بهذا المعنى، شهادة حب صامتة، لا تحتاج إلى كلمات، لكنها تُقرأ في ملامح الوجوه، وفي ارتباك الصوت، وفي تلك النظرة البعيدة التي لا ترى الحاضر بقدر ما تستدعي الماضي.

وفي مجتمعاتنا، حيث تكثر الفُرقة بسبب الظروف القاسية، والهجرة، والحروب، أصبحت الأشواق جزءاً من الحياة اليومية. أمّ تشتاق لابنها الغائب، وصديق يفتقد رفيق دربه، ومدينة تشتاق لأهلها الذين فرّقتهم الأيام. هنا، تتحول الأشواق من حالة فردية إلى شعور جماعي، يجمع الناس رغم اختلاف قصصهم.

لكن، هل الأشواق ضعف؟
قد يظن البعض ذلك، لكنها في الحقيقة تعبير صادق عن إنسانيتنا. فالإنسان الذي لا يشتاق، هو إنسان لم يختبر عمق العلاقات، ولم يذق حلاوة القرب حتى يؤلمه البعد. الأشواق ليست انكساراً، بل هي امتداد للحب، واستمرار له في غياب من نحبه.

ومع ذلك، تبقى هناك حكمة خفية في الأشواق؛ فهي تعلّمنا التقدير. تعلّمنا أن نُمسك بمن نحب قبل أن يصبحوا ذكرى، وأن نقول ما نشعر به دون تأجيل، لأن الغياب حين يأتي، لا يمنحنا فرصة ثانية.
في نهاية الأمر، تظل الأشواق لغة لا يفهمها إلا من عاشها، ووجعاً جميلاً لا يُشفى منه القلب تماماً، بل يتعلّم التعايش معه. هي ذلك الجزء منا الذي يرفض النسيان، ويتمسك بكل ما كان يوماً مصدر دفء وسكينة.

وهكذا، تبقى الأشواق… ليست مجرد شعور، بل وطنٌ صغير نسكنه حين تضيق بنا الحياة، ونلوذ إليه كلما اشتدّ علينا البُعد، فنجد فيه شيئاً من الذين أحببناهم، وشيئاً من أنفسنا التي كانت معهم.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى