اشتياق الكناني تكتب | الإشاعة: سلاح خفي يهدد تماسك المجتمع

الإشاعة سلاح فتاك ومُهلك، إذ تنتشر كما تنتشر النار في الهشيم؛ تبدأ بكلمة عابرة تُتداول على الألسن، ثم لا تلبث أن تتضخم وتتحور من شخص لآخر، حتى تصبح قصة مليئة بالتفاصيل والسيناريوهات التي لم تكن موجودة في أصلها. هذا التحول السريع والخطير يجعل من الإشاعة أداة قادرة على زعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي، خاصة في المجتمعات التي تعاني من الهشاشة أو تعيش ظروفًا استثنائية.
تبدأ المخاوف حين يتناقل الناس الأخبار دون تحقق أو تمحيص، فتتشكل حالة من القلق الجماعي، وقد تتحول هذه الحالة إلى فتنة تمزق النسيج الاجتماعي، وتزرع الشك بين الأفراد. وليس عبثًا أن يُقال إن الفتنة أشد من القتل، لأن آثارها لا تقتصر على فرد أو مجموعة، بل تمتد لتصيب مجتمعًا كاملًا في تماسكه وثقته بنفسه وبمؤسساته.
وفي أوقات الحروب، تصبح الإشاعة أكثر خطورة، إذ تُستخدم كأداة من أدوات الحرب النفسية. فهي لا تستهدف الجسد بقدر ما تستهدف العقل والمعنويات، فتُضعف الإرادة، وتزرع اليأس، وتُربك صفوف المجتمع. قد تُطلق إشاعة حول هزيمة وهمية، أو نقص في الموارد، أو خلافات داخلية، وكل ذلك بهدف إضعاف الروح المعنوية وبث الإحباط في النفوس.
ومقاومة الإشاعة لا تكون بالسلاح التقليدي، بل بالوعي والانضباط. أول خطوة في مواجهتها هي عدم تداولها أو نشرها دون التأكد من صحتها. فكل شخص ينقل الإشاعة، حتى لو بحسن نية، يساهم في انتشارها ويمنحها قوة إضافية. كما أن تجاهل بعض الإشاعات قد يكون أحيانًا أفضل من الرد عليها، خاصة إذا كانت ضعيفة المصدر أو محدودة الانتشار.
لكن هناك نوعًا من الإشاعات لا يمكن تجاهله، لأنها لا تصدر بشكل عشوائي، بل تُصنع في “غرف مغلقة” وبخطط مدروسة تستهدف نقاط الضعف في المجتمع. هذه الإشاعات تكون أكثر تعقيدًا وتأثيرًا، لأنها تُبنى على معلومات جزئية أو حقائق مشوهة، وتُروج عبر شخصيات أو منصات لها تأثير إعلامي كبير، مما يجعلها أكثر قابلية للتصديق.
في مثل هذه الحالات، يصبح الرد واجبًا، ولكن ليس بأي طريقة. الرد المناسب يجب أن يكون هادئًا ومدروسًا، يعتمد على الحقائق والأدلة، ويُقدم عبر قنوات موثوقة. كما أن سرعة الرد تلعب دورًا مهمًا في الحد من انتشار الإشاعة قبل أن تتجذر في أذهان الناس.
إلى جانب ذلك، يبقى تماسك المجتمع هو الحصن الأقوى في مواجهة الإشاعات. فكلما كان المجتمع واعيًا ومترابطًا، ويثق في قضيته وفي قيادته، قلت قدرة الإشاعة على التأثير فيه. الإيمان بالقضية والوضوح في الأهداف يعززان مناعة الأفراد ضد الأخبار الكاذبة والمضللة.
كما أن نشر ثقافة التحقق من المعلومات، وتعزيز دور الإعلام المسؤول، والتعليم الواعي، كلها عوامل تساهم في بناء مجتمع قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف. فالإشاعة لا تعيش في بيئة واعية، بل تزدهر في أجواء الجهل والارتباك.
في النهاية، يمكن القول إن الإشاعة، مهما كان حجمها، تظل خطرًا حقيقيًا إذا لم يتم التعامل معها بحكمة. لكنها في المقابل، يمكن أن تُهزم بسهولة إذا وُجد الوعي، وتماسك المجتمع، والالتزام بعدم الانجرار وراء كل ما يُقال. فالكلمة مسؤولية، وكل فرد هو خط الدفاع الأول في مواجهة هذا السلاح الخفي.





