
عندما تعجز الحرب عن كسر إرادة الشعوب تبدأ الحياة في كتابة رسائلها الخاصة وحين تتساقط أوهام الخراب أمام صمود الناس وتضحيات الأبطال تتقدم التنمية والثقافة والسياحة لتعلن أن الوطن ما زال قادراً على النهوض هكذا بدت شمال كردفان وهي تحتفل باليوم العالمي للسياحة لا بوصفه مناسبة عابرة وإنما باعتباره إعلاناً واضحاً بأن هذه الولاية ماضية في طريق البناء واستعادة عافيتها وصناعة مستقبلها
وجاء احتفال المجلس الأعلى للثقافة والإعلام والشباب والرياضة ممثلاً في الإدارة العامة للسياحة ليعكس حيوية هذا القطاع وأهميته المتعاظمة في المرحلة المقبلة فقد نجحت إدارة السياحة في تقديم احتفال حمل رسائل تتجاوز حدود المناسبة وأكدت من خلاله أن السياحة ليست نشاطاً موسمياً بل مشروعاً تنموياً وثقافياً واقتصادياً قادراً على الإسهام في نهضة الولاية وتعزيز صورتها المشرقة
وتستحق الإدارة العامة للسياحة الإشادة لما ظلت تبذله من جهود في التعريف بالمقومات السياحية والتراثية لشمال كردفان والعمل على إبراز ما تزخر به الولاية من مواقع وموروثات ثقافية وإنسانية تشكل رصيداً وطنياً كبيراً فهذه الجهود تمثل استثماراً في هوية المكان وتاريخه وتسهم في ترسيخ الوعي بأهمية السياحة كرافد من روافد التنمية المستدامة
ولم تكن الإشادة التي قدمها الدكتور الأمين شايب أمين عام حكومة ولاية شمال كردفان الوالي بالإنابة إلا تأكيداً على أن الاستقرار هو الأرضية التي تنطلق منها مشروعات البناء والتنمية وأن المرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجهود لإعادة تقديم الولاية بالصورة التي تستحقها
وجاءت كلمة الأستاذ جماع المهدي جماع الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة والإعلام والشباب والرياضة معبرة عن رؤية استراتيجية تدرك أهمية السياحة في المرحلة المقبلة حيث أكد أن شمال كردفان تمتلك مقومات سياحية وتراثية تؤهلها لتكون وجهة جاذبة وأن المجلس ينظر إلى السياحة باعتبارها إحدى أدوات التنمية والتعريف بموارد الولاية وإرثها الحضاري والثقافي
واليوم ومع احتفاء العالم بالسياحة تحت شعار الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة تبدو شمال كردفان أكثر إدراكاً لأهمية مواكبة التحولات الحديثة وتوظيف التقنيات الرقمية في الترويج لمقوماتها السياحية بما يسهم في فتح آفاق جديدة لهذا القطاع الواعد
إن الرسالة الحقيقية لهذا الاحتفال لا تكمن في الكلمات التي قيلت على المنصة وإنما في المعنى الذي حملته المناسبة نفسها فحين تختار ولاية عرفت بتاريخها وتراثها وعمقها الثقافي أن تتحدث عن السياحة في هذا التوقيت فإنها تعلن ثقتها في المستقبل وتؤكد أن إرادة البناء أقوى من كل التحديات
لقد آن الأوان لأن تتحول السياحة من مناسبة احتفالية إلى مشروع استراتيجي تتكامل فيه الجهود الرسمية والشعبية وأن ينظر إليها باعتبارها ثروة لا تقل قيمة عن أي مورد آخر فالأمم التي أحسنت استثمار تاريخها وثقافتها وجمالها الطبيعي صنعت لنفسها مكاناً في العالم بينما ظلت الأمم التي أهملت مواردها تدور في دائرة الفرص المهدرة
فاصلة
شمال كردفان اليوم لا تحتاج إلى من يصف جمالها بل تحتاج إلى من يحسن استثماره ولا تحتاج إلى من يتحدث عن إمكاناتها بل إلى من يحول هذه الإمكانات إلى واقع يراه الناس فالتاريخ موجود والتراث حاضر والمقومات متوفرة ولم يعد مقبولاً أن تبقى هذه الكنوز حبيسة الأوراق والشعارات إن معركة المرحلة القادمة ليست معركة إثبات وجود بل معركة صناعة مستقبل ومن يملك الإرادة والرؤية لن ينتظر الغد بل سيبدأ في صنعه من اليوم وستبقى السياحة واحدة من أقوى البوابات التي تعبر منها شمال كردفان نحو مكانتها التي تستحقها بين ولايات السودان . اللهم أمنا في أوطاننا





