حرروا استيراد الوقود بالكامل… واتركوا الدولة للرقابة لا التجارة
بهدوء وتدبر | محمد عثمان الشيخ النبوي

أزمة الوقود في السودان ليست أزمة بواخر فحسب، وإنما أزمة في بنية الاستيراد والتخزين والتوزيع نفسها. فكلما حُصر الاستيراد في جهات محدودة، أو وُزعت الحصص بين شركات بعينها، أو تدخلت الدولة في التمويل والتسعير والتخصيص، نشأت بيئة خصبة للاحتكار وحجب الكميات والمضاربة والصفوف والسوق الموازية.
والحل ليس الانتقال من محتكر إلى محتكر آخر، ولا من شركة خاصة مفضلة إلى شركة حكومية مفضلة، وإنما تحرير استيراد الوقود وتخزينه وتوزيعه لكل من يستوفي الشروط الفنية ومعايير السلامة المعلنة على الجميع دون تمييز.
فمن أراد استيراد البنزين أو الجازولين أو غيرهما فليستورد بماله وعلى مسؤوليته، ومن أراد إنشاء مستودعات أو محطات خدمة أو شبكة توزيع فليفعل وفق المعايير المعتمدة، من غير حصص ولا امتيازات ولا قوائم مغلقة ولا إذن اقتصادي يقرر من يحق له دخول السوق ومن لا يحق له.
وعلى الدولة أن تعود إلى وظيفتها الأصيلة: التنظيم والرقابة وحماية السلامة والمنافسة، لا شراء الوقود وبيعه وتحديد مستورديه وموزعيه.
وتكون رقابتها في المقابل صارمة؛ فتحدد مواصفات الوقود بوضوح، وتُلزم بفحصه لدى جهة معتمدة قبل الشحن، ثم التحقق من مطابقته عند الوصول قبل السماح بتداوله، فلا تدخل السوق شحنة لا تستوفي المواصفات.
وكذلك لا يُسمح بالتخزين إلا في مستودعات ومواعين تستوفي معايير السلامة والهندسة ومكافحة الحريق وحماية البيئة، مع رقابة دورية وعقوبات رادعة على المخالفات التي تعرض الناس أو الممتلكات أو البيئة للخطر.
أما التوزيع فيكون مفتوحًا؛ فيبيع المستورد لمحطات الخدمة أو المصانع أو المزارعين أو شركات التعدين أو الموزعين وغيرهم وفق القانون، من غير حصص إدارية ولا قنوات إجبارية، مع شفافية مصدر الوقود وكمياته ومسارات توزيعه.
فإذا وصل الوقود إلى المستودعات ثم حُجب انتظارًا لارتفاع السعر، فإن العلاج الأفضل ليس مزيدًا من الأوامر، وإنما كسر القدرة على حجب السوق بتعدد المستوردين والمخزنين والموزعين.
فإذا كان هناك عشرات المستوردين، فلن يستطيع أحدهم التحكم في السوق بحجب بضاعته؛ لأن غيره سيبيع. وإذا بالغ أحدهم في السعر، وجد المستهلك منافسًا آخر. وهذه هي وظيفة المنافسة التي لا يستطيع القرار الإداري أن يحل محلها.
أما حصر الاستيراد في مجموعة صغيرة، ثم توزيع الكميات على عدد محدود من الشركات، فهو الذي يمنح تلك الجهات قدرة استثنائية على التحكم في العرض والتوقيت والسعر.
ومن ثم فالمشكلة ليست فقط في سلوك بعض الشركات، وإنما في النظام الذي يمنح قلةً قدرة لا ينبغي أن يمتلكها أحد أصلًا.
كما ينبغي ألا يمول البنك المركزي مستوردي الوقود بعملات أجنبية مدعومة أو تفضيلية. فمن يريد الاستيراد فليدبر النقد الأجنبي من السوق المتاحة واقعيًا، ويتحمل تكلفته وربحه أو خسارته. وما دامت السوق الرسمية لم تتحول بعد إلى سوق حقيقية حرة تستوعب العرض والطلب، فستظل السوق الموازية واقعًا لا يزول بالأوامر، وإنما بنقلها من الظلام إلى النور.
ولا ينبغي كذلك اشتراط إيداع مبالغ مالية مجمدة أو رهن ذهب أو أموال كمدخل إلى السوق؛ لأن هذه الشروط تتحول إلى حواجز دخول تستبعد كثيرًا من الراغبين وتعيد حصر الاستيراد في أيدي القادرين على تجميد رؤوس أموال كبيرة.
المطلوب هو الالتزام بالمواصفات الفنية ومعايير السلامة والشفافية في التخزين والتوزيع، لا إثبات الملاءة ولا تقديم ضمانات مالية أو رهن أموال أو ذهب؛ فمن استطاع الاستيراد وفق المواصفات فليدخل السوق، ومن لم يستطع فلن يعطل الإمداد ما دام الباب مفتوحًا أمام غيره.
ولا مبرر كذلك لتحديد سعر الوقود إداريًا إذا كان الاستيراد مفتوحًا والمنافسة حقيقية. فالسعر المنخفض بقرار مع وجود النقص لا يصنع وقودًا، وإنما يصنع صفوفًا وحصصًا وسوقًا سوداء. أما وفرة المعروض وتعدد الموردين فهما ما يدفعان السوق إلى التنافس على السعر والخدمة.
ولا يعني التحرير غياب الدولة؛ بل يحتاج التحرير الحقيقي إلى دولة أشد حضورًا في مجالها الصحيح: الجودة، والسلامة، ومنع الغش والتواطؤ والاحتكار، والمقاييس، والشفافية، والضرائب والرسوم الموحدة، وحماية المستهلك والبيئة.
ومع تحرير السوق، تبقى على الدولة مسؤولية تنظيم مخزون استراتيجي للطوارئ، منفصل عن التجارة اليومية، يُستخدم عند تعطل الإمدادات أو إغلاق الموانئ أو الكوارث، لا للتدخل المستمر في الأسعار ولا لمنافسة المستوردين.
أي أن الدولة لا تقول للتاجر: لا تستورد، ولا تقول له: استورد هذه الكمية فقط، ولا تحدد له من يبيع له. لكنها تقول له بصرامة: استورد وقودًا مطابقًا، خزنه بأمان، التزم بالقانون، ولا تغش ولا تتواطأ ولا تحتكر.
فالتحرير ليس فوضى، كما أن الرقابة ليست احتكارًا.
والسودان يحتاج إلى كل لتر وقود يمكن أن يدخل إليه بصورة قانونية وآمنة، لا إلى نظام يجعل وصول الباخرة خبرًا كبيرًا ثم يبقى المواطن في الصفوف.
فالوقود عصب الزراعة والصناعة والنقل والتعدين والكهرباء والخدمات، وخنق تدفقه بحجة ضبط السوق قد تكون كلفته على الاقتصاد والمواطن والدولة أكبر بكثير من ارتفاع سعره.
فالوقود المتوفر بسعر مرتفع يمكن للاقتصاد أن يعمل به، أما الوقود الرخيص على الورق والمفقود في السوق فلا يشغل مصنعًا ولا طلمبة ولا شاحنة ولا مستشفى.
وقد يقال إن فتح باب الاستيراد سيزيد الطلب على الدولار فيرتفع سعره. وهذا احتمال وارد، لكن لا ينبغي النظر إلى الدولار منفصلًا عن حياة الاقتصاد كله. فقد يؤدي تقييد الاستيراد إلى جعل الدولار أقل ارتفاعًا، ولكن بثمن أفدح: توقف المزرعة، وتعطل المصنع، وانكماش النقل والتعدين والخدمات، فيتوقف نشاط صاحب العمل ويضيع معه كسب أعداد من العاملين والمتعاملين المرتبطين بنشاطه، لا دخله وحده.
وقد يرتفع الدولار أكثر مع انفتاح الاستيراد وتوافر الوقود، ومع ذلك يكون المواطن في مجمله أفضل حالًا؛ لأنه يحتفظ بعمله ودخله، وتظل عجلة الزراعة والصناعة والنقل والتعدين والتجارة والخدمات دائرة.
والدولة كذلك لا تعيش من انخفاض رقم الدولار، وإنما من اقتصاد يعمل. فكل نشاط يتحرك بالوقود يولد إنتاجًا ودخولًا ومعاملات، ومن مجموع هذه الحركة تحصل الخزانة الضرائب والرسوم والعوائد التي تمول الأمن والصحة والتعليم والبنية الأساسية وكفالة العاجزين.
أما إذا خنقنا الاقتصاد حتى نحافظ على دولار أقل سعرًا، فقد يفقد المواطن مصدر رزقه، وتفقد الدولة مواردها، ويفقد العاجز في النهاية الدولة والمجتمع القادرين على إعانته.
فالغاية ليست حماية سعر الدولار ولو مات الاقتصاد، وإنما حماية حياة الاقتصاد حتى يصبح، مع الإصلاح الشامل، قادرًا على إنتاج الدولار نفسه.
ولهذا فإن الإصلاح المطلوب واضح: افتحوا استيراد الوقود وتخزينه وتوزيعه لكل من يلتزم بالمواصفات، وألغوا الحصص والامتيازات والاحتكارات والتمويل التفضيلي والتسعير الإداري وحواجز الدخول غير الضرورية، واجعلوا أي شرط مالي أو فني محدودًا بقدر الضرورة ومطبقًا على الجميع بالمعايير نفسها، واجعلوا الدولة حارسًا صارمًا للجودة والسلامة والمنافسة، لا مستوردًا ولا موزعًا ولا محددًا لمن يدخل السوق ومن يخرج منه.
عندها لن يصبح وصول باخرة واحدة حدثًا يعلق عليه سوق بأكملها؛ لأن الإمداد سيكون مسؤولية سوق واسعة مفتوحة، وتبقى مسؤولية الدولة واضحة ومحددة: أن يكون الوقود الداخل إلى البلاد مطابقًا وآمنًا، وأن تكون طرق تخزينه وتوزيعه ملتزمة بالقانون والمعايير المعلنة على الجميع.





