
من أعظم الآيات التي تستوقف القلب وتوقظ الضمير قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]، وقوله سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30].
إنه تحذير من الله، خالق الإنسان ورازقه، والعالم بسرّه وعلانيته، الذي لا يخفى عليه شيء. وأعجب ما فيه اقترانه بالرأفة؛ فالذي يحذر عباده من عقابه هو الذي فتح لهم أبواب رحمته، وأمهلهم ليتوبوا. فالتحذير هنا من مظاهر الرحمة، إذ ينبه الإنسان إلى عواقب أعماله قبل أن يلقى ربه.
وقد جاء التحذير الثاني عقب قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30]. فالإنسان قد يستخف بالذنب حين يرتكبه، ثم يتمنى يوم الحساب لو لم يفعله.
وما أعجب حال الإنسان! يخشى انكشاف خطئه أمام الناس، وقد يغفل عن اطلاع الله عليه، ويتجنب مخالفة من يملك الإضرار به في دنياه، ثم يتساهل في مخالفة من بيده دنياه وآخرته.
وليس المقصود أن يعيش المؤمن مذعورًا يائسًا، وإنما أن يجمع بين الخوف والرجاء؛ فلا يغتر برحمة الله حتى يأمن عقابه، ولا يقنط من رحمته مهما عظم ذنبه. قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50].
ومن أعمق معاني التحذير أن علم الله يشمل الأعمال والنيات والمقاصد؛ قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 29]. فقد يبدو العمل صالحًا وهو مشوب بالرياء، وتُرفع شعارات الحق لإرادة الباطل، ويتستر الظلم بثوب القانون، والخيانة باسم الأمانة، لكن شيئًا من ذلك لا يخفى على الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه، وقال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم.
وإذا استقر هذا المعنى في القلب، أصبحت القوة مسؤولية لا ترخيصًا للبطش، والسلطة أمانة لا حصانة من الحساب، والمال ابتلاءً لا مبررًا للاستعلاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» رواه مسلم. وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا» رواه مسلم.
فكيف يجرؤ الإنسان الضعيف على ظلم غيره، وهو يعلم أنه سيقف بين يدي الله الذي لا يظلم أحدًا؟ وما أكثر من يطمئن إلى قوته أو نفوذه أو ماله حين يستطيع تعطيل الحقوق والإفلات من مساءلة البشر، ناسيًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]. فالإمهال ليس إهمالًا، والستر ليس إقرارًا، والإفلات من حساب البشر لا يعني الإفلات من عدل الله. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» متفق عليه.
ولا يقتصر التحذير على أصحاب السلطة والنفوذ، بل يشمل كل إنسان بحسب مسؤوليته؛ الأب في أسرته، والتاجر في تجارته، والقاضي في حكمه، والموظف في واجبه، وصاحب العمل في حقوق العاملين. قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.
ومن أخطر صور الغفلة أن ينشغل الإنسان بعيوب الآخرين وينسى عيوبه، ويطالب بحقوقه كاملة ويتساهل في حقوق غيره، ويلتمس لنفسه الأعذار التي لا يقبلها من سواه. قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 14-15]. ومن الحكمة المأثورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا». فمحاسبة النفس ورد المظالم اليوم أيسر من تبعاتها يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم» رواه البخاري.
فالتقوى ليست كلمات ترددها الألسنة أو مظاهر يراها الناس، وإنما حقيقة تتجلى حين تتعارض المصلحة مع الحق، والهوى مع العدل، والقدرة مع الرحمة. فمن خشي الله حقًا لم يستغل ضعف الآخرين لظلمهم، ولا غياب الرقيب البشري لخيانة الأمانة.
ومع عظمة التحذير، يبقى باب التوبة مفتوحًا؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]. والتوبة الصادقة تقتضي الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه، ومع مظالم العباد لا بد من رد الحقوق أو طلب المسامحة ممن ظُلم، بحسب طبيعة المظلمة.
وهكذا يجتمع في قوله تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ استحضار جلال الله، والخشية من عقابه، والحياء من اطلاعه، والرجاء في رحمته. ولو استقرت هذه المعاني في القلوب، لأصلحت من أحوال الأفراد والمجتمعات ما لا تصلحه القوانين والرقابة وحدهما؛ فالقانون قد تغيب عنه المخالفة، والرقابة قد تُخدع، أما علم الله فلا يغيب عنه شيء.
فليتأمل كل منا، قبل قرار يتخذه، أو حق يمنعه، أو ظلم يقدم عليه، أو أمانة يوشك أن يضيعها: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وليتأمل معها: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
فما أعظمها من رحمة أن يحذرنا الله قبل أن يحاسبنا، ويمهلنا قبل أن يؤاخذنا، ويفتح لنا باب التوبة قبل أن نلقاه! والعاقل من حملته خشيته على اجتناب المعصية، ورجاؤه على المبادرة بالتوبة، فلم يغتر بالإمهال، ولم ييأس من المغفرة، ولم ينسَ حقوق العباد.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].





