
انطلقت في الخامس من نوفمبر الجاري بالعاصمة الصينية بكين أعمال القمة العالمية للإعلام في دورتها السابعة، بمشاركة نحو 500 ممثل عن 330 مؤسسة من 112 دولة ومنطقة، لمناقشة مستقبل صناعة الإعلام في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون الدولي للانتقال من تبادل الرؤى إلى اتخاذ خطوات عملية لمواجهة التحديات التكنولوجية والمهنية.
وتنظم القمة وكالة أنباء شينخوا وحكومة بلدية بكين، تحت شعار “الإعلام في عصر الذكاء: من التوافق إلى العمل”، وتستمر أعمالها حتى التاسع من نوفمبر الجاري، بمشاركة مؤسسات إعلامية ومراكز بحثية وجهات حكومية، إلى جانب الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى.

وقال نائب رئيس وكالة أنباء شينخوا هوو يوغانغ، في كلمته خلال افتتاح القمة، إن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أنماط الإنتاج والحياة وأساليب إنتاج المعرفة، ويفرض في الوقت نفسه تحديات وفرصا جديدة أمام وسائل الإعلام التقليدية.
وأكد أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية وتوسيع نطاق توفير المحتوى الإخباري عالي الجودة لمواكبة التحولات التكنولوجية، داعيا إلى الحفاظ على المصداقية الإعلامية والتحقق من صحة الأخبار والمعلومات، وتعزيز إجراء المقابلات الصحفية المشتركة.

وشدد هوو على ضرورة تعميق الابتكار وتوسيع نطاق المشاركة في الاستفادة من التقدم التكنولوجي، بما يسهم في تعزيز التفاهم بين مختلف الحضارات.
وعلى صعيد الفعاليات المصاحبة للقمة، شهدت أعمالها تدشين أول مذيعين إخباريين روبوتيين في العالم بتصميم مستوحى من التقنيات الحيوية، في خطوة تعكس اتساع نطاق توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أشكال تقديم الأخبار والتفاعل مع الجمهور.
كما شهدت إطلاق مشروع بحثي متخصص في تقنيات التصوير الإخباري باستخدام الهواتف المحمولة والتحقق من أصالة المحتوى الإعلامي، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بإنتاج الصور ومقاطع الفيديو باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما تثيره من تساؤلات بشأن موثوقية المواد البصرية وإمكانية التحقق من مصادرها.
وسبق افتتاح القمة تنظيم زيارات للوفود المشاركة إلى مجمع بكين فان، إلى جانب جولة ثقافية في حي شيتشنغ بالعاصمة الصينية، في إطار برنامج يهدف إلى التعريف بالمدينة وتعزيز التواصل بين المشاركين.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإعلام
وتأتي القمة في وقت تشهد فيه صناعة الإعلام تحولات متسارعة بفعل التطور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تتيح فرصا جديدة في جمع المعلومات وتحليل البيانات والترجمة والتحقق من الأخبار وإنتاج المحتوى، فضلا عن تحسين كفاءة العمل الصحفي وتوسيع نطاق الوصول إلى الجمهور.
غير أن هذه التحولات تفرض تحديات مهنية وأخلاقية تتعلق بانتشار المعلومات المضللة، ومصداقية المحتوى المنتج آليا، وحماية الملكية الفكرية وخصوصية البيانات، فضلا عن ضرورة الحفاظ على استقلالية المؤسسات الإعلامية والالتزام بالمعايير المهنية للعمل الصحفي.
وفي هذا السياق، لم يعد النقاش داخل المؤسسات الإعلامية مقتصرا على مدى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل امتد إلى كيفية توظيفه بصورة مسؤولة ومهنية وأخلاقية، بما يحقق الاستفادة من إمكاناته دون الإخلال بمبادئ الدقة والموضوعية والمصداقية.
وتسعى القمة، من خلال مناقشاتها، إلى تبادل الخبرات بشأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي، وتعزيز التعاون في مجالات التحقق من المعلومات والتغطية الصحفية المشتركة وإدارة الأزمات، إلى جانب بحث سبل مواجهة التضليل الإعلامي ووضع أسس مشتركة للاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة.
منصة للتعاون الإعلامي الدولي
وتكتسب القمة أهمية متزايدة باعتبارها منصة دولية للحوار والتعاون بين المؤسسات الإعلامية، لا سيما أنها تسعى إلى تحويل النقاشات وتبادل الخبرات إلى شراكات ومبادرات عملية تسهم في تطوير صناعة الإعلام ومواجهة التحديات المشتركة.
ومنذ إطلاقها عام 2009 بمبادرة من وكالة أنباء شينخوا ومؤسسات إعلامية دولية، تطورت القمة لتصبح منصة للحوار الإعلامي رفيع المستوى، تتناول التحولات الكبرى في صناعة الإعلام وتستكشف اتجاهات تطورها، مع اتساع المشاركة الدولية في دوراتها المتعاقبة.
وتبرز أهمية هذه المنصة بالنسبة للمؤسسات الإعلامية في دول الجنوب العالمي، بما توفره من فرص لعرض تجاربها ووجهات نظرها، وتعزيز الشراكات المهنية وتبادل الخبرات والتقنيات، فضلا عن توسيع مشاركتها في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل الإعلام.
كما تتيح مشاركة وكالة أنباء شينخوا في تنظيم القمة والاستمرار في دعمها فرصا لتعزيز التواصل بين وكالات الأنباء والمؤسسات الإعلامية من مختلف الدول، وتبادل الممارسات المهنية والخبرات المتعلقة بتطوير العمل الصحفي في ظل التحولات الرقمية.
وتولي القمة اهتماما خاصا بتعزيز إسهام دول الجنوب العالمي في صياغة قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن مراعاة مصالح مختلف الدول وتنوع تجاربها واحتياجاتها، وعدم اقتصار النقاشات المتعلقة بمستقبل التكنولوجيا والإعلام على الدول الأكثر تقدما في هذا المجال.
من التوافق إلى خطوات عملية
ولا تقتصر أهداف القمة السابعة على مناقشة الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى البحث عن آليات عملية لتعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية، خصوصا في مجالات تبادل المحتوى الإخباري، والتحقق من المعلومات، والتغطيات المشتركة، وبناء القدرات المهنية والتكنولوجية.
ويعكس شعار القمة “الإعلام في عصر الذكاء: من التوافق إلى العمل” توجها نحو الانتقال من تبادل وجهات النظر بشأن مستقبل الصناعة الإعلامية إلى تطوير مبادرات مشتركة تساعد المؤسسات على التعامل مع التحولات التكنولوجية والاستفادة من فرصها.
وفي ظل التغيرات السياسية والتكنولوجية والاجتماعية المتسارعة، تبرز الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية لتطوير معايير مهنية مشتركة، وتبادل الخبرات في مكافحة التضليل، وضمان الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، بما يحافظ على ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.
ومن المتوقع أن تتيح مناقشات القمة فرصا جديدة لتعميق الحوار بشأن مستقبل الإعلام، وتوسيع مجالات التعاون بين المؤسسات المشاركة، بما في ذلك بناء شراكات تطبيقية في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتبادل المحتوى والتدريب الإعلامي.
وتسعى القمة، التي تستمر حتى التاسع من نوفمبر الجاري، إلى ترسيخ دور التعاون الدولي في تشكيل مستقبل صناعة الإعلام، وتعزيز الحوار والتبادل الثقافي بين الشعوب، بما يساعد على تحويل التوافق بشأن التحديات المشتركة إلى خطوات ملموسة لمواكبة عصر الذكاء الاصطناعي.





