تمويل مشروعات الإسكان: من البحث عن المال إلى بناء منظومة تمويل مستدامة
بقلم: م. الصادق عباس نجّار | مهندس معماري | مخطط عمراني

عندما نتحدث عن تمويل مشروعات الإسكان، ينصرف التفكير غالباً إلى السؤال المعتاد: من أين نأتي بالمال؟ وهو سؤال مهم، لكنه لا يكفي وحده لفهم المشكلة أو الوصول إلى حلول قابلة للاستمرار. فقد تتوفر الموارد، ثم تتعثر المشروعات بسبب ضعف الإدارة أو ارتفاع التكلفة أو غياب التنسيق بين الجهات المعنية. وقد تبدأ مشروعات جديدة بينما تظل أصول ومشروعات قائمة غير مستغلة، أو تتوقف الأموال التي أُنفقت فيها عن أداء دورها في تمويل مراحل أخرى.
لهذا أرى أن نقطة البداية ينبغي أن تكون أوسع من البحث عن مصادر تمويل إضافية. علينا أولاً أن نراجع الطريقة التي نستخدم بها الموارد المتاحة، وأن نسأل كيف يمكن لمشروع الإسكان أن يسهم في تمويل نفسه، وأن يهيئ الظروف لقيام مشروعات أخرى بعده.
وتزداد أهمية هذا السؤال في الخرطوم بعد الحرب، حيث تتسع احتياجات السكن في وقت تواجه فيه الدولة والمواطنون ضغوطاً اقتصادية كبيرة، وتحتاج فيه عملية الإعمار إلى موارد تفوق ما يمكن الاعتماد عليه من الموازنات العامة وحدها. وفي مثل هذا الواقع، لن يكون ممكناً تلبية الاحتياجات بمجرد زيادة الإنفاق؛ بل لا بد من تغيير طريقة التفكير في تمويل الإسكان وإدارته.
البداية من تقليل الهدر
قبل أن نبحث عن أموال جديدة، ينبغي أن نعرف أين تتسرب الموارد المتاحة. فالتأخر في تنفيذ المشروعات، وعدم اكتمال الدراسات، وتعدد الإجراءات، وضعف التنسيق بين التخطيط والتنفيذ، وترك الأصول دون استغلال مناسب، كلها عوامل قد ترفع التكلفة وتقلل العائد من الأموال التي أُنفقت بالفعل.
تقليل الهدر لا يعني الاكتفاء بخفض النفقات أو تأجيل الأعمال الضرورية. المقصود هو أن يذهب كل مبلغ إلى غرض واضح، وأن ترتبط القرارات المالية بأولويات محددة، وأن تُراجع تكلفة المشروع في ضوء ما يحققه فعلياً للمستفيدين.
ومن هنا تبرز أهمية إعداد المشروعات بصورة متكاملة قبل البدء في تنفيذها، وتحديد تكاليفها ومراحلها ومصادر تمويلها، ومتابعة أدائها أثناء التنفيذ وبعد اكتماله. فالوفورات التي تتحقق من تحسين الإدارة وضبط التكلفة يمكن أن تتحول إلى موارد إضافية لمشروعات أخرى، بدلاً من أن تضيع في دورة جديدة من التأخير وإعادة المعالجة.
الأرض مورد تمويلي وليست مجرد موقع للبناء
تمثل الأرض أحد أهم الموارد المتاحة لقطاع الإسكان، لكن قيمتها لا تتحقق بمجرد تخصيصها لمشروع. فقيمة الأرض تتأثر بموقعها، واستعمالاتها، وتوافر الخدمات، والطرق التي تربطها بالمدينة، والأنشطة التي يمكن أن تقوم حولها.
وعندما تُخطط الأرض وتُطور بصورة مدروسة، فإنها تستطيع أن تكون جزءاً من الحل التمويلي. ويمكن أن تتحقق القيمة من خلال بيع الوحدات، أو تأجير بعض المواقع، أو إقامة أنشطة تجارية وخدمية، أو الدخول في شراكات استثمارية تتيح تطوير الأرض دون أن تتحمل الجهة العامة وحدها كامل التكلفة.
وهنا يجب التمييز بين منح الأرض دون مقابل وبين استخدامها كأصل عام له قيمة اقتصادية. فالأرض المخصصة للإسكان ينبغي أن تُحتسب قيمتها ضمن التكلفة الحقيقية للمشروع، حتى إذا تقرر دعم المستفيدين أو تقديم تسهيلات لهم. ذلك أن الدعم يجب أن يكون قراراً واضحاً ومقصوداً، لا أن ينتج عن تجاهل قيمة أحد أهم موارد المشروع.
ولا يعني هذا أن تتحول مشروعات الإسكان إلى مشروعات تجارية هدفها تعظيم الأرباح على حساب المواطنين. المطلوب هو إدارة القيمة الاقتصادية للأرض بما يتيح التوفيق بين القدرة على تحمل تكلفة السكن واستمرار المؤسسة في أداء دورها الاجتماعي.
من تكلفة المشروع إلى دورة التمويل
من المشكلات التي تستحق المراجعة أن يُنظر إلى مشروع الإسكان باعتباره عملية تبدأ بتوفير المال وتنتهي بتسليم الوحدات. بهذه الطريقة، يصبح كل مشروع محتاجاً إلى تمويل جديد، حتى عندما تكون هناك أصول قائمة أو عوائد يمكن الاستفادة منها.
الأفضل أن يُنظر إلى المشروع باعتباره جزءاً من دورة اقتصادية متصلة: أرض تُخطط وتُطور، ثم مساكن وخدمات تُنشأ، ثم أصول تحقق عوائد، تُستخدم بدورها في تمويل مراحل جديدة.
وقد تأتي هذه العوائد من أقساط المستفيدين، أو من استثمار بعض الأصول، أو من الأنشطة التجارية والخدمية المصاحبة للمناطق السكنية. لكن تحققها ليس تلقائياً؛ فهو يتطلب تسعيراً واقعياً، ونظاماً فعالاً للتحصيل، وإدارة جيدة للأصول، وسياسات واضحة لإعادة توظيف الإيرادات.
كما ينبغي ألا يُفهم تدوير العوائد على أنه مجرد تحصيل للأقساط ثم إنفاقها. المقصود هو بناء آلية مالية ومؤسسية تضمن معرفة ما يُحصّل، وما يُنفق، وما يمكن إعادة استثماره، وكيف ينعكس ذلك على قدرة المؤسسة على تنفيذ مشروعات لاحقة.
بهذا المعنى، لا يكون نجاح المشروع محصوراً في عدد الوحدات التي أُنجزت، بل يشمل أيضاً ما يتركه من أصول وعوائد وقدرة مؤسسية على الاستمرار.
التمويل يحتاج إلى أكثر من مصدر
لا يمكن لقطاع الإسكان أن يعتمد على مصدر واحد للتمويل، خصوصاً في ظل اتساع الاحتياجات ومحدودية الموارد العامة. لكن تنويع التمويل لا يعني جمع الأموال من جهات مختلفة فحسب؛ بل يعني اختيار المزيج المناسب لكل مشروع، بحسب طبيعته وتكلفته والعائد المتوقع منه وقدرة المستفيدين على السداد.
فبعض المشروعات قد يناسبها التمويل المصرفي، وبعضها يمكن أن يقوم على الشراكة مع القطاع الخاص، بينما تحتاج مشروعات الإسكان الشعبي إلى دعم عام أو ترتيبات تمويلية خاصة تجعل السكن في متناول الفئات المستهدفة.
ويمكن كذلك الاستفادة من أراضي المؤسسات العامة، أو الدخول في شراكات مع الجهات التي تمتلك أراضي أو أصولاً قابلة للتطوير، بما يوزع الأعباء ويحد من الحاجة إلى التمويل النقدي المباشر. وقد تكون مساهمة الشريك في الأرض أو البنية الأساسية أو التنفيذ أكثر ملاءمة من مطالبة جهة واحدة بتوفير جميع عناصر المشروع.
وفي هذا السياق، يظل الدعم المتقاطع أحد الخيارات المهمة. فالعوائد المتحققة من بعض الوحدات أو الأنشطة الاستثمارية يمكن أن تسهم، وفق ضوابط معلنة وحسابات واضحة، في تخفيف تكلفة الإسكان الشعبي. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب الفصل بين حسابات الأنشطة المختلفة، وقياس تكلفة الدعم ومصادره، حتى لا يتحول إلى التزام مالي غير محسوب يهدد استمرارية المؤسسة.
المعيار هنا ليس أن يكون كل مشروع مربحاً بالمعنى التجاري، بل أن تكون منظومة الإسكان قادرة على الجمع بين الجدوى الاقتصادية والهدف الاجتماعي، من دون أن يؤدي أحدهما إلى إلغاء الآخر.
دور صندوق الإسكان والتعمير
في هذا الإطار، يمكن لصندوق الإسكان والتعمير بولاية الخرطوم أن يؤدي دوراً يتجاوز تنفيذ المشروعات أو بيع الوحدات السكنية. فطبيعة عمله تتيح له، في حدود اختصاصاته القانونية، أن يسهم في تطوير المشروعات، وإدارة الأصول، وتنظيم الشراكات، وتحسين تحصيل المستحقات، وإعادة توظيف العوائد في مشروعات جديدة.
ويبدأ ذلك بحصر ما لدى الصندوق من أراضٍ ومبانٍ ومشروعات وحقوق مالية، وتقييم حالتها وقيمتها وإمكانات استغلالها. ثم يأتي ترتيب الأولويات على أساس الاحتياجات السكنية الفعلية، والقدرة على التنفيذ، والتكلفة، والعائد المتوقع، ومدى مساهمة المشروع في التعافي العمراني.
ولا يمكن أن يتم ذلك بمعزل عن الجهات الأخرى. فالأرض والتخطيط والخدمات والتمويل والتنفيذ ترتبط باختصاصات مؤسسات متعددة، الأمر الذي يجعل التنسيق المبكر معها ضرورة عملية، وليس إجراءً إدارياً إضافياً. كما أن الشراكات تحتاج إلى قواعد واضحة لتوزيع المخاطر والعوائد، وحماية حقوق المستفيدين، وضمان الشفافية في التعاقد والتنفيذ.
ومن المهم أيضاً أن يرتبط القرار التمويلي بالمعلومة. فمعرفة مواقع الاحتياج، وحالة الأراضي، وتكلفة توصيل الخدمات، وخصائص المستفيدين، والمشروعات القابلة للتنفيذ، تساعد على توجيه الموارد إلى المكان الذي تحقق فيه أكبر أثر. ويمكن لنظم المعلومات الجغرافية وقواعد البيانات المحدثة أن تدعم هذا القرار، بدلاً من أن يظل ترتيب المشروعات معتمداً على تقديرات عامة أو معلومات متفرقة.
هذه الخطوات لا تعني أن الصندوق يستطيع معالجة أزمة الإسكان وحده، لكنها تساعده على استخدام موارده بصورة أفضل، وعلى الانتقال من إدارة كل مشروع بصورة منفصلة إلى إدارة محفظة مترابطة من المشروعات والأصول والشراكات.
ما الذي نريد تمويله في النهاية؟
يبقى سؤال لا ينبغي أن يغيب عن النقاش: هل نريد تمويل وحدات سكنية فقط، أم نريد تمويل أحياء يستطيع الناس أن يعيشوا فيها؟
فالمسكن الذي لا تتوافر حوله الخدمات الأساسية، أو يصعب الوصول منه إلى العمل والتعليم والصحة، قد يحقق رقماً في تقرير الإنجاز، لكنه لا يحقق بالضرورة الغرض الذي أُنشئ من أجله. كما أن تكلفة الإسكان لا تتوقف عند إنشاء الوحدة؛ إذ تشمل البنية الأساسية والخدمات والربط بشبكة المدينة، فضلاً عن تكاليف التشغيل والصيانة على المدى الطويل.
لذلك ينبغي أن تتسع دراسات التمويل لتشمل التكلفة الكلية للمشروع، لا تكلفة البناء وحدها، وأن تُقارن البدائل وفق قدرتها على توفير سكن ملائم وميسور التكلفة، وعلى إنشاء بيئة عمرانية قابلة للحياة والاستمرار.
وقد يبدو هذا التوجه أعلى تكلفة في البداية، لكنه قد يكون أكثر كفاءة على المدى الطويل إذا قلل الحاجة إلى معالجة أوجه القصور لاحقاً، وحسّن استخدام الأراضي والخدمات، وربط الإسكان بالنشاط الاقتصادي للمدينة.
إن إعادة إعمار الخرطوم تتيح فرصة لمراجعة الطريقة التي نخطط بها ونمول بها مشروعات الإسكان. ولن يكون التحدي في توفير المال وحده، بل في بناء علاقة أكثر كفاءة بين الأرض والتمويل والتنفيذ وإدارة الأصول والعائد الاجتماعي.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه عند إعداد أي مشروع ليس فقط: من أين سنأتي بالمال؟ بل أيضاً: كيف سنستخدمه؟ وما الذي سيبقى بعد اكتمال المشروع؟ وهل يمكن لما أنجزناه اليوم أن يساعد في تمويل ما نحتاج إلى إنجازه غداً؟
حين تصبح هذه الأسئلة جزءاً من التخطيط والقرار، ينتقل تمويل الإسكان من البحث عن المال لكل مشروع على حدة، إلى بناء منظومة تستطيع أن تستخدم مواردها بكفاءة، وتستعيد جزءاً من تكلفتها، وتواصل توفير السكن الملائم في حدود إمكاناتها.
وهذا هو التحول المطلوب: من تمويل مشروعات متفرقة إلى بناء قدرة مستدامة على تمويل الإسكان وصناعة المدينة.تمويل مشروعات الإسكان: من البحث عن المال إلى بناء منظومة تمويل مستدامة
بقلم: م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني
عندما نتحدث عن تمويل مشروعات الإسكان، ينصرف التفكير غالباً إلى السؤال المعتاد: من أين نأتي بالمال؟ وهو سؤال مهم، لكنه لا يكفي وحده لفهم المشكلة أو الوصول إلى حلول قابلة للاستمرار. فقد تتوفر الموارد، ثم تتعثر المشروعات بسبب ضعف الإدارة أو ارتفاع التكلفة أو غياب التنسيق بين الجهات المعنية. وقد تبدأ مشروعات جديدة بينما تظل أصول ومشروعات قائمة غير مستغلة، أو تتوقف الأموال التي أُنفقت فيها عن أداء دورها في تمويل مراحل أخرى.
لهذا أرى أن نقطة البداية ينبغي أن تكون أوسع من البحث عن مصادر تمويل إضافية. علينا أولاً أن نراجع الطريقة التي نستخدم بها الموارد المتاحة، وأن نسأل كيف يمكن لمشروع الإسكان أن يسهم في تمويل نفسه، وأن يهيئ الظروف لقيام مشروعات أخرى بعده.
وتزداد أهمية هذا السؤال في الخرطوم بعد الحرب، حيث تتسع احتياجات السكن في وقت تواجه فيه الدولة والمواطنون ضغوطاً اقتصادية كبيرة، وتحتاج فيه عملية الإعمار إلى موارد تفوق ما يمكن الاعتماد عليه من الموازنات العامة وحدها. وفي مثل هذا الواقع، لن يكون ممكناً تلبية الاحتياجات بمجرد زيادة الإنفاق؛ بل لا بد من تغيير طريقة التفكير في تمويل الإسكان وإدارته.
البداية من تقليل الهدر
قبل أن نبحث عن أموال جديدة، ينبغي أن نعرف أين تتسرب الموارد المتاحة. فالتأخر في تنفيذ المشروعات، وعدم اكتمال الدراسات، وتعدد الإجراءات، وضعف التنسيق بين التخطيط والتنفيذ، وترك الأصول دون استغلال مناسب، كلها عوامل قد ترفع التكلفة وتقلل العائد من الأموال التي أُنفقت بالفعل.
تقليل الهدر لا يعني الاكتفاء بخفض النفقات أو تأجيل الأعمال الضرورية. المقصود هو أن يذهب كل مبلغ إلى غرض واضح، وأن ترتبط القرارات المالية بأولويات محددة، وأن تُراجع تكلفة المشروع في ضوء ما يحققه فعلياً للمستفيدين.
ومن هنا تبرز أهمية إعداد المشروعات بصورة متكاملة قبل البدء في تنفيذها، وتحديد تكاليفها ومراحلها ومصادر تمويلها، ومتابعة أدائها أثناء التنفيذ وبعد اكتماله. فالوفورات التي تتحقق من تحسين الإدارة وضبط التكلفة يمكن أن تتحول إلى موارد إضافية لمشروعات أخرى، بدلاً من أن تضيع في دورة جديدة من التأخير وإعادة المعالجة.
الأرض مورد تمويلي وليست مجرد موقع للبناء
تمثل الأرض أحد أهم الموارد المتاحة لقطاع الإسكان، لكن قيمتها لا تتحقق بمجرد تخصيصها لمشروع. فقيمة الأرض تتأثر بموقعها، واستعمالاتها، وتوافر الخدمات، والطرق التي تربطها بالمدينة، والأنشطة التي يمكن أن تقوم حولها.
وعندما تُخطط الأرض وتُطور بصورة مدروسة، فإنها تستطيع أن تكون جزءاً من الحل التمويلي. ويمكن أن تتحقق القيمة من خلال بيع الوحدات، أو تأجير بعض المواقع، أو إقامة أنشطة تجارية وخدمية، أو الدخول في شراكات استثمارية تتيح تطوير الأرض دون أن تتحمل الجهة العامة وحدها كامل التكلفة.
وهنا يجب التمييز بين منح الأرض دون مقابل وبين استخدامها كأصل عام له قيمة اقتصادية. فالأرض المخصصة للإسكان ينبغي أن تُحتسب قيمتها ضمن التكلفة الحقيقية للمشروع، حتى إذا تقرر دعم المستفيدين أو تقديم تسهيلات لهم. ذلك أن الدعم يجب أن يكون قراراً واضحاً ومقصوداً، لا أن ينتج عن تجاهل قيمة أحد أهم موارد المشروع.
ولا يعني هذا أن تتحول مشروعات الإسكان إلى مشروعات تجارية هدفها تعظيم الأرباح على حساب المواطنين. المطلوب هو إدارة القيمة الاقتصادية للأرض بما يتيح التوفيق بين القدرة على تحمل تكلفة السكن واستمرار المؤسسة في أداء دورها الاجتماعي.
من تكلفة المشروع إلى دورة التمويل
من المشكلات التي تستحق المراجعة أن يُنظر إلى مشروع الإسكان باعتباره عملية تبدأ بتوفير المال وتنتهي بتسليم الوحدات. بهذه الطريقة، يصبح كل مشروع محتاجاً إلى تمويل جديد، حتى عندما تكون هناك أصول قائمة أو عوائد يمكن الاستفادة منها.
الأفضل أن يُنظر إلى المشروع باعتباره جزءاً من دورة اقتصادية متصلة: أرض تُخطط وتُطور، ثم مساكن وخدمات تُنشأ، ثم أصول تحقق عوائد، تُستخدم بدورها في تمويل مراحل جديدة.
وقد تأتي هذه العوائد من أقساط المستفيدين، أو من استثمار بعض الأصول، أو من الأنشطة التجارية والخدمية المصاحبة للمناطق السكنية. لكن تحققها ليس تلقائياً؛ فهو يتطلب تسعيراً واقعياً، ونظاماً فعالاً للتحصيل، وإدارة جيدة للأصول، وسياسات واضحة لإعادة توظيف الإيرادات.
كما ينبغي ألا يُفهم تدوير العوائد على أنه مجرد تحصيل للأقساط ثم إنفاقها. المقصود هو بناء آلية مالية ومؤسسية تضمن معرفة ما يُحصّل، وما يُنفق، وما يمكن إعادة استثماره، وكيف ينعكس ذلك على قدرة المؤسسة على تنفيذ مشروعات لاحقة.
بهذا المعنى، لا يكون نجاح المشروع محصوراً في عدد الوحدات التي أُنجزت، بل يشمل أيضاً ما يتركه من أصول وعوائد وقدرة مؤسسية على الاستمرار.
التمويل يحتاج إلى أكثر من مصدر
لا يمكن لقطاع الإسكان أن يعتمد على مصدر واحد للتمويل، خصوصاً في ظل اتساع الاحتياجات ومحدودية الموارد العامة. لكن تنويع التمويل لا يعني جمع الأموال من جهات مختلفة فحسب؛ بل يعني اختيار المزيج المناسب لكل مشروع، بحسب طبيعته وتكلفته والعائد المتوقع منه وقدرة المستفيدين على السداد.
فبعض المشروعات قد يناسبها التمويل المصرفي، وبعضها يمكن أن يقوم على الشراكة مع القطاع الخاص، بينما تحتاج مشروعات الإسكان الشعبي إلى دعم عام أو ترتيبات تمويلية خاصة تجعل السكن في متناول الفئات المستهدفة.
ويمكن كذلك الاستفادة من أراضي المؤسسات العامة، أو الدخول في شراكات مع الجهات التي تمتلك أراضي أو أصولاً قابلة للتطوير، بما يوزع الأعباء ويحد من الحاجة إلى التمويل النقدي المباشر. وقد تكون مساهمة الشريك في الأرض أو البنية الأساسية أو التنفيذ أكثر ملاءمة من مطالبة جهة واحدة بتوفير جميع عناصر المشروع.
وفي هذا السياق، يظل الدعم المتقاطع أحد الخيارات المهمة. فالعوائد المتحققة من بعض الوحدات أو الأنشطة الاستثمارية يمكن أن تسهم، وفق ضوابط معلنة وحسابات واضحة، في تخفيف تكلفة الإسكان الشعبي. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب الفصل بين حسابات الأنشطة المختلفة، وقياس تكلفة الدعم ومصادره، حتى لا يتحول إلى التزام مالي غير محسوب يهدد استمرارية المؤسسة.
المعيار هنا ليس أن يكون كل مشروع مربحاً بالمعنى التجاري، بل أن تكون منظومة الإسكان قادرة على الجمع بين الجدوى الاقتصادية والهدف الاجتماعي، من دون أن يؤدي أحدهما إلى إلغاء الآخر.
دور صندوق الإسكان والتعمير
في هذا الإطار، يمكن لصندوق الإسكان والتعمير بولاية الخرطوم أن يؤدي دوراً يتجاوز تنفيذ المشروعات أو بيع الوحدات السكنية. فطبيعة عمله تتيح له، في حدود اختصاصاته القانونية، أن يسهم في تطوير المشروعات، وإدارة الأصول، وتنظيم الشراكات، وتحسين تحصيل المستحقات، وإعادة توظيف العوائد في مشروعات جديدة.
ويبدأ ذلك بحصر ما لدى الصندوق من أراضٍ ومبانٍ ومشروعات وحقوق مالية، وتقييم حالتها وقيمتها وإمكانات استغلالها. ثم يأتي ترتيب الأولويات على أساس الاحتياجات السكنية الفعلية، والقدرة على التنفيذ، والتكلفة، والعائد المتوقع، ومدى مساهمة المشروع في التعافي العمراني.
ولا يمكن أن يتم ذلك بمعزل عن الجهات الأخرى. فالأرض والتخطيط والخدمات والتمويل والتنفيذ ترتبط باختصاصات مؤسسات متعددة، الأمر الذي يجعل التنسيق المبكر معها ضرورة عملية، وليس إجراءً إدارياً إضافياً. كما أن الشراكات تحتاج إلى قواعد واضحة لتوزيع المخاطر والعوائد، وحماية حقوق المستفيدين، وضمان الشفافية في التعاقد والتنفيذ.
ومن المهم أيضاً أن يرتبط القرار التمويلي بالمعلومة. فمعرفة مواقع الاحتياج، وحالة الأراضي، وتكلفة توصيل الخدمات، وخصائص المستفيدين، والمشروعات القابلة للتنفيذ، تساعد على توجيه الموارد إلى المكان الذي تحقق فيه أكبر أثر. ويمكن لنظم المعلومات الجغرافية وقواعد البيانات المحدثة أن تدعم هذا القرار، بدلاً من أن يظل ترتيب المشروعات معتمداً على تقديرات عامة أو معلومات متفرقة.
هذه الخطوات لا تعني أن الصندوق يستطيع معالجة أزمة الإسكان وحده، لكنها تساعده على استخدام موارده بصورة أفضل، وعلى الانتقال من إدارة كل مشروع بصورة منفصلة إلى إدارة محفظة مترابطة من المشروعات والأصول والشراكات.
ما الذي نريد تمويله في النهاية؟
يبقى سؤال لا ينبغي أن يغيب عن النقاش: هل نريد تمويل وحدات سكنية فقط، أم نريد تمويل أحياء يستطيع الناس أن يعيشوا فيها؟
فالمسكن الذي لا تتوافر حوله الخدمات الأساسية، أو يصعب الوصول منه إلى العمل والتعليم والصحة، قد يحقق رقماً في تقرير الإنجاز، لكنه لا يحقق بالضرورة الغرض الذي أُنشئ من أجله. كما أن تكلفة الإسكان لا تتوقف عند إنشاء الوحدة؛ إذ تشمل البنية الأساسية والخدمات والربط بشبكة المدينة، فضلاً عن تكاليف التشغيل والصيانة على المدى الطويل.
لذلك ينبغي أن تتسع دراسات التمويل لتشمل التكلفة الكلية للمشروع، لا تكلفة البناء وحدها، وأن تُقارن البدائل وفق قدرتها على توفير سكن ملائم وميسور التكلفة، وعلى إنشاء بيئة عمرانية قابلة للحياة والاستمرار.
وقد يبدو هذا التوجه أعلى تكلفة في البداية، لكنه قد يكون أكثر كفاءة على المدى الطويل إذا قلل الحاجة إلى معالجة أوجه القصور لاحقاً، وحسّن استخدام الأراضي والخدمات، وربط الإسكان بالنشاط الاقتصادي للمدينة.
إن إعادة إعمار الخرطوم تتيح فرصة لمراجعة الطريقة التي نخطط بها ونمول بها مشروعات الإسكان. ولن يكون التحدي في توفير المال وحده، بل في بناء علاقة أكثر كفاءة بين الأرض والتمويل والتنفيذ وإدارة الأصول والعائد الاجتماعي.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه عند إعداد أي مشروع ليس فقط: من أين سنأتي بالمال؟ بل أيضاً: كيف سنستخدمه؟ وما الذي سيبقى بعد اكتمال المشروع؟ وهل يمكن لما أنجزناه اليوم أن يساعد في تمويل ما نحتاج إلى إنجازه غداً؟
حين تصبح هذه الأسئلة جزءاً من التخطيط والقرار، ينتقل تمويل الإسكان من البحث عن المال لكل مشروع على حدة، إلى بناء منظومة تستطيع أن تستخدم مواردها بكفاءة، وتستعيد جزءاً من تكلفتها، وتواصل توفير السكن الملائم في حدود إمكاناتها.
وهذا هو التحول المطلوب: من تمويل مشروعات متفرقة إلى بناء قدرة مستدامة على تمويل الإسكان وصناعة المدينة.





