مقالات

المواصفات ليست رفاهية.. رحبة سعيد تضع الجودة في قلب معركة إعادة بناء السودان

همس البوادي|سعاد سلامة

في الأوطان التي تخرج من رماد الحروب لا يكفي أن نعيد بناء ما تهدم ولا أن نرفع الجدران فوق أنقاض الخراب بل يجب أن نعيد بناء العقل المؤسسي ونؤسس لمرحلة جديدة تكون فيها الجودة معيارا للإنجاز والاستدامة عنوانا للمستقبل وحماية المواطن مسؤولية لا تقبل التهاون

ومن هنا تأتي أهمية اليوم العالمي للمواصفات الذي يصادف الرابع عشر من أكتوبر تحت شعار رؤية مشتركة لعالم أفضل لتتجاوز رسالته حدود الاحتفال بمناسبة عالمية إلى قضية وطنية تمس حاضر السودان ومستقبله وتضع الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس أمام مسؤولية استراتيجية في معركة البناء والتعافي

وتبرز الأستاذة رحبة سعيد عبد الله المدير العام للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس وهي تؤكد الالتزام بتحقيق أهداف التنمية المستدامة أهمية المواصفات باعتبارها ركيزة لحماية المجتمع ودعم الاقتصاد الوطني وترسيخ ثقافة الجودة في مرحلة تتطلب من مؤسسات الدولة أن تتحول من أداء الواجبات التقليدية إلى صناعة الحلول ومواجهة التحديات برؤية أكثر جرأة وفاعلية

إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إعمار المباني وحدها بل يحتاج إلى إعادة إعمار منظومة الجودة نفسها
فالحرب التي ألحقت أضرارا جسيمة بمقدرات البلاد تفرض علينا ألا نكرر أخطاء الماضي وألا نجعل الضرورة مبررا للتنازل عن معايير الجودة والسلامة فالإعمار الذي لا يستند إلى مواصفات واضحة ورقابة فاعلة قد يتحول إلى استنزاف جديد للموارد بدلا من أن يكون مدخلا للتعافي والاستقرار

وهنا تتجلى أهمية الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس باعتبارها مؤسسة تتصل مسؤوليتها المباشرة بصحة المواطن وسلامة المنتجات وحماية المستهلك وتعزيز الثقة في الأسواق ودعم قدرة الاقتصاد على النهوض
إن المواصفات ليست أوراقا تحفظ في الملفات ولا اشتراطات فنية تظل حبيسة المكاتب بل هي خط دفاع عن الإنسان وحقوقه ووسيلة لحماية موارد الدولة من الهدر وسلاح مؤسسي في مواجهة الغش والمنتجات غير المطابقة ومفتاح لبناء اقتصاد يحترم الجودة ويستجيب لمتطلبات المنافسة والتنمية

ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق الوعي المجتمعي بالمواصفات وتعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص ودعم الخبراء واللجان الفنية وتطوير أدوات الرقابة والتقييم بما يضمن أن تصبح الجودة ممارسة يومية في الإنتاج والتجارة والخدمات وليست مجرد شعار نرفعه في المناسبات

وقد أصابت الأستاذة رحبة سعيد عبد الله جوهر القضية حين أكدت أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب تضافر الجهود وتوحيد الرؤى والاستفادة من المواصفات الدولية وأنظمة تقييم المطابقة فالتنمية لا تصنعها مؤسسة بمفردها ولا تتحقق بالقرارات وحدها بل تحتاج إلى شراكة حقيقية تجعل كل قطاع يؤدي دوره في منظومة وطنية متكاملة
لكن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية ويرى أثرها في الأسواق والخدمات والمنتجات وفي كفاءة المؤسسات وقدرتها على حماية حقوقه وصون موارده

إن الاحتفاء باليوم العالمي للمواصفات يجب ألا ينتهي بانتهاء المناسبة بل ينبغي أن يكون بداية لمراجعة الأداء وتجديد الالتزام وتوسيع دائرة المسؤولية الوطنية تجاه الجودة فالسودان الذي يتطلع إلى التعافي يحتاج إلى مؤسسات لا تكتفي بمواكبة الأحداث بل تستبق التحديات وتشارك بفاعلية في رسم ملامح المستقبل

كما أن تحقيق أهداف أجندة 2030 يتطلب عملا متواصلا يربط بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة ويجعل الاستدامة أساسا للتخطيط والتنفيذ لا مجرد عبارة تتردد في الخطابات
وتستحق الكوادر العاملة بالهيئة وأعضاء اللجان الفنية من الخبراء الوطنيين والشركاء في منظومة حماية المستهلك التحية والتقدير لما يضطلعون به من أدوار في ترسيخ ثقافة المواصفات وتعزيز الوعي بأهميتها فالمؤسسات القوية لا تقوم على القيادات وحدها بل على كفاءة العاملين وإخلاصهم وتكامل جهودهم من أجل تحقيق الأهداف الوطنية
وفي تقديري فإن الاختبار الحقيقي للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس لا يكمن في إحياء اليوم العالمي للمواصفات كل عام فحسب بل في قدرتها على جعل المواصفة القياسية حاضرة في كل مشروع إعمار وفي كل سلعة تدخل الأسواق وفي كل خطوة تستهدف حماية المواطن وبناء الاقتصاد

فالسودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تأسيس مؤسساته على قواعد أكثر صلابة وكفاءة وهذه الفرصة لا تحتمل التساهل في الجودة ولا تسمح بإهدار الموارد ولا تقبل أن يكون الإعمار مجرد سباق لإنجاز المباني دون ضمان سلامتها واستدامتها

  فاصلة 
إن معركة ما بعد الحرب ليست معركة حجارة وإسمنت وحدهما بل معركة وعي ومعايير وانضباط وإرادة وطنية قادرة على تحويل الألم إلى بداية جديدة
فإما أن نجعل الجودة أساسا لبناء السودان الجديد وإما أن نعيد إنتاج أزمات الماضي بأدوات مختلفة
وهنا تظل المواصفات والمقاييس شريكا أصيلا في معركة النهوض الوطني وتظل المسؤولية أكبر من مناسبة والشعار أكبر من احتفال والرهان الحقيقي هو أن يرى المواطن أثر الجودة في حياته وأن يصبح الالتزام بالمواصفة ثقافة دولة وسلوك مجتمع وطريقا آمنا نحو مستقبل يستحقه السودان
اللهم آمنا في أوطاننا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى