مستشفى الشرطة بالأبيض.. من نداء الواجب إلى معركة التأهيل واستعادة الخدمة
همس البوادي|سعاد سلامة

ليست المستشفيات مجرد مبان تضم الأسرة والأجهزة الطبية بل هي شريان حياة وملاذ للمرضى ومرآة حقيقية لاهتمام المؤسسات بإنسانها. وحين يتعلق الأمر بمستشفى الشرطة بمدينة الأبيض فإن القضية تتجاوز حدود الصيانة والترميم لتصبح مسؤولية تستدعي التحرك العاجل من أجل إعادة التأهيل واستعادة الجاهزية ودخول المستشفى إلى الخدمة بالكفاءة التي تليق بمنسوبي الشرطة والمواطنين الذين يحتاجون إلى خدماته العلاجية.
إن الزيارة التفقدية الميدانية التي قام بها مدير دائرة الشؤون العامة بشرطة ولاية شمال كردفان العميد شرطة جمال عز الدين محمد إلى مستشفى الشرطة بالأبيض تضع هذا المرفق الصحي أمام استحقاق مهم يتمثل في الانتقال من رصد الاحتياجات إلى اتخاذ خطوات عملية تعيد للمستشفى قدرته على أداء رسالته الطبية والإنسانية. فالزيارات الميدانية تكتسب قيمتها الحقيقية حين تتحول الملاحظات إلى قرارات والتوجيهات إلى برامج تنفيذية والاحتياجات إلى واقع ملموس يلمسه المريض قبل غيره.
مستشفى الشرطة بالأبيض لا يحتاج إلى التشخيص وحده بل إلى قرار يعيد إليه الحياة. فحجم التحديات التي تواجه البنية التحتية والمرافق الخدمية والتجهيزات الطبية يستدعي خطة تأهيل شاملة لا تكتفي بالمعالجات الجزئية أو الحلول المؤقتة وإنما تتجه إلى معالجة مواطن القصور من جذورها حتى يصبح المستشفى قادرا على تقديم خدمة صحية آمنة ومستقرة تحفظ كرامة المريض وتصون حقه في العلاج.
إن تأهيل دورات المياه وشبكات الصرف الصحي وصيانة المباني والعنابر وتحسين التهوية والتبريد وتجديد الأسرة والأثاث الطبي ليست تفاصيل ثانوية يمكن تأجيلها بل هي أساسيات لا تستقيم الخدمة العلاجية من دونها. فالمستشفى الذي يستقبل المرضى ينبغي أن يوفر الحد الأدنى من البيئة الصحية الملائمة وأن تكون مرافقه مهيأة لاستقبال الحالات وتقديم الرعاية في ظروف تحفظ سلامة المرضى والعاملين على حد سواء.
أما الكهرباء واستقرار الإمداد بالطاقة فهما من القضايا التي لا تحتمل التهاون أو المعالجة البطيئة إذ ترتبط بهما كفاءة تشغيل غرف العمليات والطوارئ والمختبرات والأجهزة الطبية. ومن هنا تبرز ضرورة دعم منظومة الطاقة الشمسية وتعزيز مصادر الإمداد الكهربائي بوصفهما جزءا أصيلا من خطة التأهيل وليس مجرد خيار إضافي يمكن النظر فيه لاحقا.
وفي قلب هذه المعركة تقف الكوادر الطبية والتمريضية والإدارية التي تواصل أداء واجبها وسط ما تواجهه من تحديات ونقص في بعض المستلزمات والإمكانات. وهؤلاء يستحقون أكثر من الإشادة فهم بحاجة إلى بيئة عمل مناسبة وأجهزة صالحة للاستخدام وإمداد منتظم بالمستهلكات الطبية لأن التفاني وحده مهما بلغ لا يستطيع أن يعوض غياب المعدات أو يعالج اختلال البنية التحتية.
إن الوفاء لهذه الكوادر يبدأ بتوفير شروط العمل الكريم وإنصاف جهودها لا يكون بالكلمات وحدها بل بتهيئة المستشفى الذي تعمل فيه ليكون قادرا على الاستجابة لاحتياجات المرضى. فلا يجوز أن تظل عزيمة العاملين هي خط الدفاع الوحيد في مواجهة نقص الإمكانات بينما تظل متطلبات التأهيل معلقة بين التقارير والانتظار.
ومن هنا فإن المسؤولية تقتضي تحركا منسقا بين قيادة شرطة ولاية شمال كردفان والإدارة العامة للخدمات الطبية والجهات ذات الصلة لوضع برنامج واضح لإعادة التأهيل يبدأ بحصر الاحتياجات وترتيب الأولويات وتحديد التكلفة ومراحل التنفيذ والجهات المسؤولة عن المتابعة. كما ينبغي إعطاء الأولوية للأعمال العاجلة التي تهيئ الأقسام الأساسية لاستقبال المرضى بالتوازي مع استكمال أعمال الصيانة والتجديد وتوفير الأجهزة والمعدات والمستلزمات الضرورية.
ولا بد أن تكون الغاية النهائية من هذه الجهود معلنة وواضحة وهي إعادة مستشفى الشرطة بالأبيض إلى الخدمة الفاعلة في أقرب وقت ممكن وفقا لمعايير السلامة والجودة والجاهزية الطبية. فالمطلوب ليس تجميل المباني أو إجراء تحسينات شكلية وإنما استعادة الدور العلاجي للمستشفى وضمان قدرته على استقبال المرضى وتقديم الخدمات التي أنشئ من أجلها.
كما أن نجاح عملية التأهيل ينبغي أن يقاس بما يتحقق على أرض الواقع من جاهزية الأقسام واستقرار الكهرباء وتوافر الأجهزة والمستلزمات وانتظام الخدمات الطبية لا بعدد الاجتماعات أو الزيارات أو التوجيهات. فالمواطن ومنسوب الشرطة لا ينتظران تقريرا جديدا عن المشكلات بل ينتظران مستشفى قادرا على استقبال الحالات وتقديم العلاج في الوقت المناسب.
إن مستشفى الشرطة بالأبيض يمثل مسؤولية مؤسسية وإنسانية تستوجب تضافر الجهود وحشد الإمكانات خصوصا في ظل الظروف التي جعلت المحافظة على المرافق الصحية وإعادة تشغيلها ضرورة لا تقبل التأجيل. وكل يوم تتأخر فيه معالجة الاحتياجات الأساسية يعني استمرار العبء على المرضى والكوادر العاملة بينما يمكن للتخطيط الجاد والتنسيق الفاعل أن يفتحا الطريق أمام استعادة الخدمة.
والرسالة اليوم واضحة لا تحتمل التأويل لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة التفقد إلى مرحلة الإنجاز ومن تسجيل الاحتياجات إلى توفيرها ومن الحديث عن التأهيل إلى تنفيذ التأهيل فعليا. فمستشفى الشرطة بالأبيض يستحق أن يستعيد عافيته والكوادر الطبية تستحق بيئة عمل تليق برسالتها والمرضى يستحقون خدمة تحفظ كرامتهم وتخفف آلامهم.
إن إعادة تأهيل المستشفي ليست منحة ولا ترفا إداريا بل واجب تفرضه المسؤولية تجاه الإنسان وحقه في العلاج. وستظل القيمة الحقيقية لأي تحرك في هذا الاتجاه مرهونة بالنتيجة التي يراها الناس بأعينهم مستشفى مؤهل وأقسام جاهزة وخدمات مستقرة وأبواب مفتوحة أمام المرضى.
فاصلة
فالأبيض التي تواجه التحديات وتتمسك بالحياة لا تحتاج إلى وعود جديدة بقدر ما تحتاج إلى أفعال تسبق الكلمات ومستشفى الشرطة لن يستعيد مكانته بالتمنيات بل بإرادة جادة وقرار مسؤول وعمل يبدأ اليوم ولا يتوقف حتى تعود الخدمة كاملة وآمنة وكريمة.
*اللهم أمنا في أوطاننا*





