
رحبت بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك باعتماد مجلس الأمن، في 8 أكتوبر 2026، التمديد التقني للتدابير المفروضة بموجب القرار 1591 لمدة 60 يوماً، مع الإبقاء عليها في نطاقها الجغرافي ومضمونها الحاليين، مؤكدة أن الأولوية ينبغي أن تكون لتفعيل نظام العقوبات القائم وضمان تنفيذه، بدلاً من توسيع نطاقه ليشمل كامل الأراضي السودانية.
وقالت البعثة، في بيان صحفي صادر عن المندوب الدائم للسودان، إن المشكلة الأساسية التي واجهت نظام القرار 1591 خلال الفترة الماضية لا تتمثل في ضيق نطاقه الجغرافي، وإنما في غياب الإرادة اللازمة لإنفاذه ومحاسبة الجهات التي تنتهكه.
وأوضحت أن السودان وفريق الخبراء المنشأ بموجب القرار، إلى جانب تقارير جهات دولية موثوقة، قدموا معلومات وأدلة بشأن استمرار تدفق الأسلحة والذخائر والطائرات المسيرة والمرتزقة إلى مليشيا الدعم السريع عبر دول الجوار الأفريقي والصحراء، مشيرة إلى أن هذه التدفقات تواصلت بالتزامن مع وقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
وانتقدت البعثة ما وصفته بعجز مجلس الأمن عن ضمان الامتثال الفعلي لقراراته، معتبرة أن توسيع نطاق حظر السلاح ليشمل السودان بأكمله، بدلاً من التركيز على وقف الإمدادات غير المشروعة ومحاسبة الجهات المسؤولة عنها، من شأنه أن يعاقب الدولة المتضررة من الانتهاكات، دون أن يضمن ردع الأطراف التي تخرق الحظر.
اتهامات للإمارات ومخاوف بشأن فريق الخبراء
وأشار البيان إلى أن السودان يرى ضرورة توجيه الجهود نحو مساءلة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي اتهمها بانتهاك حظر السلاح المفروض على دارفور، وإمداد مليشيا الدعم السريع بالأسلحة والطائرات المسيرة والمرتزقة.
كما أعربت البعثة عن قلقها إزاء ما قالت إنها معلومات بشأن محاولات ممارسة الترهيب على أعضاء فريق الخبراء والتأثير على عملهم، وما وصفته بالتعطيل في التعامل مع التقرير النهائي للفريق.
وشددت على ضرورة صون استقلال فرق الخبراء ونزاهتها وحيادها، وضمان عدم تعرض أعضائها للضغط أو الترهيب بسبب النتائج التي يتوصلون إليها، مؤكدة أن أي دولة يجب ألا تكون بمنأى عن المساءلة والتدقيق.
وفي هذا السياق، اعتبر السودان أن مصداقية أنظمة العقوبات التابعة لمجلس الأمن ترتبط بقدرتها على تطبيق القرارات بصورة عادلة ومتسقة، ومحاسبة الجهات التي تنتهكها، دون انتقائية أو تسييس.
ثلاثة أسباب لرفض توسيع حظر السلاح
وأكدت البعثة أن موقف السودان الرافض لتوسيع نطاق القرار 1591 ليشمل كامل أراضيه يستند إلى ثلاثة اعتبارات رئيسية.
ويتمثل الاعتبار الأول في أن التوسيع من شأنه، بحسب البيان، طمس الفارق القانوني والمؤسسي بين الدولة وقواتها المسلحة الوطنية من جهة، والمليشيات والجماعات المسلحة والمرتزقة من جهة أخرى.
وشدد السودان على أن القوات المسلحة السودانية مؤسسة وطنية تضطلع بمسؤولية حماية سيادة البلاد ووحدة أراضيها وشعبها، وأن لها الحق في الحصول على الأسلحة بصورة مشروعة، رافضاً معاملتها باعتبارها جماعة مسلحة خارجة عن سلطة الدولة.
أما الاعتبار الثاني، فيتعلق بما وصفه البيان باحتمال أن يؤدي توسيع الحظر إلى تقييد الجهات التي تلتزم بقرارات مجلس الأمن، بينما تستمر شبكات التهريب والإمداد غير المشروع في تجاوز القيود المفروضة. وحذرت البعثة من أن ذلك قد يضعف قدرة الدولة على حماية أراضيها، دون ضمان وقف وصول الأسلحة إلى المليشيات.
ويتمثل الاعتبار الثالث في أن جوهر المشكلة يكمن في ضعف تنفيذ نظام القرار 1591 القائم، وليس في نطاقه الجغرافي، الأمر الذي يتطلب وقف تدفقات الأسلحة والطائرات المسيرة والمرتزقة عبر الحدود، والتحقيق في مصادرها ومساراتها، ومحاسبة الجهات التي تمولها أو تسهل وصولها.
تداعيات محتملة لحظر السلاح الشامل
وتناول البيان جملة من التداعيات التي يرى السودان أنها قد تترتب على فرض حظر شامل للسلاح على كامل أراضيه، مشيراً إلى أن مثل هذه التدابير قد تتجاوز الأسلحة التقليدية لتشمل المعدات والسلع ذات الاستخدام المزدوج، والأنشطة المرتبطة بالصناعات الدفاعية والتعاون العسكري.
وأوضح أن القيود المحتملة قد تشمل اشتراط الحصول على تصاريح وتراخيص مسبقة لصادرات الأسلحة والمعدات العسكرية، وإمكانية رفض التراخيص أو إلغائها بموجب قرارات الجهات المختصة، فضلاً عن تقييد حصول الدولة المستهدفة على الأسلحة والذخائر والمعدات الهجومية والدفاعية.
وأضاف أن نطاق الحظر قد يمتد إلى المركبات والمعدات العسكرية وشبه العسكرية وقطع الغيار، والمساعدات التقنية والمالية والتدريب المتصل بالأنشطة العسكرية، إلى جانب صيانة الأسلحة واستخدامها، بما في ذلك الدبابات والمركبات القتالية المدرعة والطائرات والسفن الحربية والصواريخ والأسلحة الصغيرة.
كما حذر من أن القيود قد تطال بعض السلع ذات الاستخدام المزدوج، التي يمكن توظيفها لأغراض مدنية وعسكرية، مثل معدات الاتصالات والحوسبة وتقنيات التشفير وأنواع من المركبات والشاحنات والطائرات، فضلاً عن المعدات التي يمكن تحويلها للاستخدامات العسكرية.
وأشار البيان كذلك إلى أن أنظمة حظر الأسلحة قد تقترن بتدابير تتعلق بتطوير القدرات الوطنية لتصنيع الأسلحة الصغيرة والخفيفة، ووضع علامات مميزة عليها، وإنشاء أنظمة وطنية لحفظ سجلات الأسلحة والواردات والصادرات.
ورأى السودان أن هذه القيود قد تؤثر في قدرته على تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية والحصول على المعدات اللازمة للدفاع عن أراضيه، إذا جرى توسيع نطاق التدابير دون معالجة الثغرات القائمة في تنفيذ الحظر.
السودان يتمسك بحق الدفاع عن النفس
وأكدت البعثة أن حق الدول في الدفاع عن النفس، بصورة فردية أو جماعية، من المبادئ التي يستند إليها ميثاق الأمم المتحدة، محذرة من أن تقييد قدرة الجيوش الوطنية على التسلح قد يشجع الأطراف المعادية على تهديد سيادة الدول وأمنها.
وتساءل البيان عما إذا كان مجلس الأمن قد استند إلى دراسة محايدة تثبت أن أسلحة القوات المسلحة السودانية تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، داعياً المجلس إلى ممارسة مسؤولياته وفقاً للمادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة، وبما يتفق مع مبادئ المنظمة وأهدافها.
كما أثار البيان تساؤلات بشأن معايير التعامل مع مخاطر الأسلحة، مشيراً إلى ضرورة ضمان اتساق التدابير الدولية مع الأهداف المعلنة لحماية السلم والأمن الدوليين.
واعتبرت البعثة أن التجارب أثبتت أهمية التوافق داخل مجلس الأمن، وأن القرارات التي تحظى بتوافق أوسع تكون أكثر قدرة على الحفاظ على وحدة المجلس وفعاليته.
دعوة إلى وقف تدفق السلاح ومحاسبة المنتهكين
وأوضح البيان أن مشروع القرار الذي اعتمده مجلس الأمن في 8 أكتوبر الجاري أبقى التدابير القائمة دون تغيير نطاقها، ومددها حتى 11 ديسمبر 2026، داعياً إلى استثمار الفترة المقبلة في معالجة أوجه القصور في تنفيذ نظام القرار 1591 بدلاً من إعادة طرح المقترحات الخلافية المتعلقة بتوسيع الحظر.
وطرح السودان مجموعة من الأسئلة التي قال إنها ينبغي أن تتصدر النقاشات المقبلة، من بينها: كيف يمكن ضمان التنفيذ الفعلي لنظام القرار 1591؟ وكيف يمكن وقف تدفق الأسلحة غير المشروعة إلى دارفور؟ وما التدابير اللازمة لمنع استخدام أراضي دول ثالثة لنقل الأسلحة والطائرات المسيرة والمرتزقة؟ وكيف يمكن حماية استقلال فريق الخبراء وضمان مساءلة الجهات التي تنتهك قرارات مجلس الأمن؟
وأكدت البعثة أن الإجابة عن هذه الأسئلة من شأنها الإسهام بصورة أكبر في حماية المدنيين وتعزيز السلام والأمن في السودان والمنطقة، مقارنة بتوسيع نطاق نظام عقوبات لم ينفذ، وفقاً للبيان، على النحو المطلوب.
واختتم السودان بيانه بتجديد استعداده للتعاون البناء مع مجلس الأمن ولجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591 وفريق الخبراء، بهدف تعزيز فعالية النظام القائم، مع التأكيد على تمسكه بسيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها، ورفض أي تدابير من شأنها إضعاف مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية، أو مكافأة الجهات التي تحمل السلاح خارج سلطة الدولة.





