
خرج رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس إلى محطات الوقود بالخرطوم، وتفقد بنفسه أحوالها، وأعلن عدم وجود أزمة في الوقود، ثم كبّر، وردد التكبير بعض من حوله.
والتكبير شعيرة عظيمة مقدسة، نحني لها الرؤوس إجلالًا وتعظيمًا، وليس الحديث هنا عن التكبير في ذاته، وإنما عن دلالته في موضعه: ما الذي كان يستدعي التكبير؟ أهو وجود الوقود في محطة أو محطتين، أو حتى وجوده في جميع المحطات، بينما المواطن عمليًا لا يستطيع الحصول عليه والصفوف تمتد أمامه إلى مدى البصر؟
فالقضية ليست: هل الوقود موجود أم غير موجود؟ وإنما: هل يجده المواطن حين يحتاج إليه؟ فإذا لم يستطع الحصول عليه إلا بعد ساعات من الانتظار، أو طاف على المحطات ولم يجده أصلًا، فلن يغير من واقعه شيئًا أن تكون هناك كميات في المستودعات أو داخل بعض المحطات. فسواء كان الوقود موجودًا أو غير موجود، فإن النتيجة بالنسبة إلى المواطن واحدة ما دام لا يستطيع الحصول عليه بصورة طبيعية.
وهذا ليس استنتاجًا من تقارير أو حديثًا من وراء المكاتب؛ فهذا ما نشاهده بأم أعيننا، بل نحن شخصيًا ممن بحثوا عن الوقود ولم يجدوه. والصفوف الممتدة أمام المحطات ليست خبرًا يحتاج المواطن إلى من يخبره به، وإنما واقع يراه ويعيشه.
ومن هنا كان الأولى أن تكون زيارة رئيس الوزراء بداية للسؤال، لا نهايته: لماذا لا يصل الوقود إلى المواطن بصورة طبيعية؟ وأين موضع الخلل؟ أهو في الإمداد أم التوزيع أم النقل أم التشغيل أم الدفع؟ ومن المسؤول عنه؟ ومتى ينتهي؟
فزيارة المسؤول للميدان مهمة حين تكشف له ما لا تنقله التقارير، لكنها تفقد جانبًا كبيرًا من معناها إذا أصبح المطلوب من الواقع أن يثبت صحة التقرير، بدل أن يكون الواقع نفسه هو الذي تُقاس عليه صحة التقارير.
ثم تأتي المسألة الثانية، والأشد دلالة على طريقة إدارة الدولة: أن يبلغ الأمر برئيس مجلس الوزراء أن يناشد بنكًا تجاريًا لتفعيل تطبيقه المصرفي.
وهنا لا نتحدث عن مشكلة صغيرة بين عميل ومصرف، وإنما عن تطبيق أصبحت عليه معاملات يومية واسعة، وتعطله يمس حركة الناس والتجارة والخدمات. فإذا كان رئيس الوزراء نفسه يناشد بنكًا تجاريًا لتفعيل تطبيقه، بينما للدولة بنك مركزي يتولى تنظيم الجهاز المصرفي والرقابة عليه، فالسؤال يتجاوز التطبيق إلى مفهوم الدولة نفسها: ماذا بقي من هيبة رئاسة الوزراء إذا انتهى أعلى رأس في الجهاز التنفيذي إلى مناشدة مؤسسة تجارية لكي تؤدي خدمة أساسية؟
وليس المقصود أن يتولى رئيس الوزراء إدارة بنك تجاري أو إصلاح تطبيقه بنفسه، ولا أن يأمر في شأن فني خارج اختصاصه؛ فهذا ليس عمل الدولة المؤسسية. وإنما المطلوب أن تعمل سلسلة المسؤولية كما ينبغي: رئيس الوزراء يحاسب الجهة التنفيذية المختصة، والبنك المركزي يمارس سلطاته التنظيمية والرقابية، والمصرف يعالج خلله، والمواطن يرى النتيجة.
فهيبة الدولة ليست أن يأمر رئيس الوزراء كل مؤسسة بنفسه، كما أنها ليست أن يناشدها. هيبتها الحقيقية أن يكون وراءه جهاز دولة يعمل؛ يعرف كل مسؤول فيه اختصاصه، وتصدر القرارات من جهاتها، وتتابع حتى التنفيذ، ويحاسب المقصر.
ونحن لا ننتقص من نزول رئيس الوزراء إلى الشارع؛ بل نريده أن ينزل ويرى ويسمع الناس بعيدًا عن التقارير والمكاتب. لكن قيمة الزيارة ليست في الصور، ولا في التكبير والهتاف المصاحب لها، وإنما فيما يتغير بعدها.
فلا معنى لأن نقول للمواطن إن الوقود موجود وهو لا يجده، ولا يكفي أن يناشد رئيس الوزراء بنكًا بإصلاح تطبيق أصبح تعطله يمس حياة الناس، ولا تقاس هيبة رئاسة الوزراء بموكب رئيس الوزراء ولا بما يحيط بزيارته، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة التي يقف على رأس جهازها التنفيذي على تحويل المشكلة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى واقع يلمسه المواطن.
الدولة لا تثبت للمواطن أن الوقود موجود؛ بل تجعل حصوله عليه أمرًا طبيعيًا. ولا تناشد المؤسسات الخاضعة لنظامها الرقابي بأن تعمل؛ بل تجعل النظام نفسه كفيلًا بأن تعمل، وأن تُحاسب حين لا تعمل.





