السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (8 من 10): لا تهدروا القليل المتاح
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

انتهينا في المقال السابق إلى أن علاج شح النقد الأجنبي لا يكون بإخفاء سعره الحقيقي أو تعطيل النشاط طلبًا لسعر أرخص، وإنما بزيادة موارده وجعلها تعمل وتتكاثر.
وهنا نصل إلى سؤال أوسع: ماذا نفعل بالقليل الذي بقي يعمل في الاقتصاد السوداني؟ وكيف نحافظ عليه ونوسعه بدل أن نستنزفه؟
ففي أوقات الشح قد يكون الخطأ أشد كلفة؛ لأن ما نفقده ليس فائضًا يسهل تعويضه، بل جزء من القاعدة التي يفترض أن يبدأ منها التعافي.
والسودان، رغم الحرب والدمار، لا يزال يملك ذهبًا، وإنتاجًا زراعيًا وحيوانيًا، وصادرات، وتحويلات من السودانيين بالخارج، وتجارة وخدمات، ومشروعات ورؤوس أموال ما زالت تعمل أو تنتظر فرصة للتوسع. وهذه هي النواة التي ينبغي أن ينمو منها اقتصاد أكبر.
فالسؤال ليس: كيف نستخرج أكبر قدر مما هو موجود اليوم؟ بل: كيف نجعل الموجود يولد المزيد؟
خذ الذهب مثالًا.
قيمته الاقتصادية لا تقف عند استخراجه، بل تمتد إلى ما يدخل من إنتاجه وتجارته وحصيلته إلى الاقتصاد الرسمي. فإذا جعلت الأسعار أو الرسوم أو الإجراءات والقيود الطريق الرسمي أقل جدوى، فلن يكفي تشديد الرقابة وحده.
والعلاج أن يكون البيع والتصدير والتحويل عبر القنوات القانونية أيسر وأأمن وأكثر جدوى، مع إنفاذ القانون على من يخرج عنها. فالغاية ليست فقط كم أنتجنا من الذهب، بل كم من قيمته دخل الاقتصاد الرسمي وعاد استثمارًا وإنتاجًا وتجارة وإيرادات.
والأمر نفسه في الصادرات الزراعية والحيوانية. فالمحصول المصدر لا يجلب نقدًا أجنبيًا فحسب، بل يحرك وراءه الزراعة والعمل والنقل والتخزين والتعبئة والتمويل والخدمات. ولذلك فإن توقف المصدر لا يصيبه وحده، بل يمتد أثره إلى سلسلة كاملة من النشاط والدخل وفرص العمل.
وكذلك تحويلات السودانيين بالخارج. فالمغترب يستخدم القنوات الرسمية عندما يجد سعرًا عادلًا وإجراءً سهلًا ونظامًا موثوقًا وحرية في استخدام ماله. وكلما كانت القناة الرسمية أقل جدوى من البدائل خرجت الأموال منها، وكلما أصبحت أكثر كفاءة وثقة عادت إليها.
والأمر نفسه في رأس المال داخل البلاد. فهو لا يضيع فقط بالسرقة أو التلف، بل أيضًا حين يتوقف عن العمل، أو يخرج من البلاد، أو يبقى صاحبه مترقبًا خوفًا من قواعد متقلبة.
وحماية رأس المال لا تعني حمايته من الخسارة أو المنافسة، وإنما حماية الحق والعقد والملكية وحرية النشاط المشروع. فالاقتصاد لا يحتاج إلى رأس مال محمي من المنافسة، بل إلى رأس مال محمي بالقانون وقادر عليها.
وليست الأموال والسلع وحدها موارد ينبغي ألا نهدرها؛ فالوقت والخبرة والثقة موارد أيضًا.
كل يوم تنتظره شاحنة بسبب إجراء لا ضرورة له تكلفة، وكل مشروع يتعطل بسبب تضارب الجهات خسارة، وكل نزاع تجاري يطول بلا حسم يجمد مالًا وفرصًا. فالاقتصاد الفقير بالمال لا يحتمل أن يكون غنيًا بالعقبات.
وعندما تهاجر الخبرة نفقد سنوات من التعليم والتجربة والقدرة على الإنتاج. وعندما تضيع الثقة قد تبقى الأموال موجودة، لكنها تخرج من الدورة الاقتصادية: فلا تُودع في المصارف، ولا تُستثمر، ولا تدخل حصائل الصادرات والتحويلات عبر القنوات الرسمية.
وهنا تظهر خطورة النظر إلى النشاط القائم باعتباره وعاءً نأخذ منه ما نستطيع اليوم، بدل اعتباره أصلًا ينبغي أن ينمو.
فإذا كانت المشروعات قليلة، فالهدف ليس تحصيل أكبر جباية منها، بل أن تصبح أضعافًا. وإذا كانت الصادرات محدودة، فالهدف ليس اقتسام حصيلتها، بل إزالة ما يمنع مضاعفتها. وإذا كان رأس المال العامل قليلًا، فالهدف أن يربح في المنافسة ويعيد الاستثمار ويجذب غيره.
فالدولة لا تكسب فقط مما تحصل عليه من كل مشروع، وإنما من اتساع الاقتصاد الذي تستمد منه إيراداتها. وقد يكون العبء الأقل على نشاط واسع ومتنامٍ أجدى من عبء مرتفع على نشاط قليل ينكمش.
ومن هنا تبدأ الدائرة التي نريدها: يبقى المشروع ويعيد الاستثمار، فيتوسع الإنتاج والعمل والصادرات والدخول، وتتسع القاعدة الاقتصادية وإيرادات الدولة، وتتحسن الخدمات والبنية والمؤسسات، فتزداد جاذبية الاستثمار وتتسع الدائرة مرة أخرى.
وهي عكس دائرة الانكماش: يقل النشاط، فتنخفض الإيرادات، فتزداد الضغوط عليه، فينكمش أكثر.
لذلك فإن المحافظة على القليل لا تعني تجميده، بل تشغيله ليولد قيمة جديدة.
فالدولار الذي يدخل في نشاط مجدٍ ويولد إنتاجًا أو صادرات ليس موردًا ضاع، بل موردًا عمل. ورأس المال الذي يستثمر ويربح ويعيد الاستثمار ليس مالًا استُهلك، بل مالًا نما. والمحصول الذي يجد سوقًا مربحة يشجع على موسم أكبر، والمشروع الناجح يخلق حوله عملًا وخدمات واستثمارات جديدة.
وهكذا يتحول القليل إلى كثير.
ولذلك ينبغي أن نخضع كل سياسة اقتصادية لسؤال بسيط:
هل توسع القاعدة التي سنعيش منها غدًا، أم تستنزفها لتغطية حاجة اليوم؟
فالسودان لا يستطيع أن يبدأ نهضته من اقتصاد غير موجود. لا بد أن يبدأ مما بقي لديه: المنتج الذي ينتج، والمصدر الذي يصدر، والمغترب الذي يحول، والمستثمر الذي يعمل، ورأس المال الذي لم يغادر، والخبرة التي لم تهاجر، والوقت الذي ما زال في أيدينا.
هذه ليست أشياء قليلة إذا أحسنا استخدامها؛ إنها بذور التوسع كله.
أما إذا قتلنا القليل انتظارًا للكثير، فلن يأتي الكثير.
وهنا نصل إلى السؤال التالي: إذا لم تكن مهمة الدولة أن تدير كل نشاط، وتحدد كل سعر، وتوزع كل دولار، فأين تكون قوتها الحقيقية؟
وهذا هو موضوع المقال القادم، إن شاء الله:
الدولة القوية لا تطارد السوق… بل تبني بيئة تعمل.





