مقالات

كنز البحر الأحمر السوداني (5 من 13): سياحة عالمية راقية بلا محرّمات

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

من التصورات التي تظهر أحيانًا عند الحديث عن السياحة أن جذب السائح الأجنبي يقتضي تقديم الخمر والقمار والتعري والسهر الصاخب، وكأنها جزء من تعريف السياحة نفسها.
لكن الناس يسافرون لأسباب أوسع بكثير: للبحر والطبيعة والغوص، وللراحة والعافية والخصوصية، وللتاريخ والثقافة والمغامرة والطعام، ولإجازة هادئة مع الأسرة.
ومن هنا يستطيع السودان أن يصنع لنفسه هوية واضحة: سياحة عالمية راقية، عائلية وآمنة، خالية مما تحرمه الشريعة الإسلامية، من غير تنازل عن الجودة والرفاهية.

فالامتناع عن الخمر لا يعني مطعمًا متواضعًا؛ بل مطبخًا راقيًا، ومأكولات بحرية، وعصائر ومشروبات مبتكرة، وقهوة وشايًا وحلويات على مستوى عالمي. وعدم وجود القمار واللهو المحرم لا يعني غياب الترفيه؛ فهناك الغوص والرياضات البحرية والرحلات والسباحة والأنشطة العائلية ومراقبة النجوم والبرامج الثقافية والعافية والاستجمام.
والالتزام بهوية الوجهة لا يمنع البحر والسباحة، بل يمكن تصميم المرافق بما يجمع الاستمتاع والخصوصية واحترام قيم المكان.

وقد يقال إن هذه الضوابط تضيق السوق. لكن المالديف نفسها، وهي من أشهر الوجهات البحرية في العالم، طرحت حكومتها منذ عام 2025 فرصًا لتطوير وتشغيل منتجعات تحت مسمى رسمي هو «نموذج السياحة الحلال» (Halal Tourism Model)، واستمرت الطروحات المتعلقة به في 2026. وهذا لا يثبت وحده نجاح النموذج تجاريًا أو حجم الطلب عليه، لكنه يؤكد أن المنتج السياحي البحري الراقي لا يلزم أن يكون قالبًا واحدًا، وأن من الممكن تصميم منتج موجه إلى سوق له احتياجات وقيم محددة.
ولا يعني ذلك أن نقلد المالديف؛ فالسودان يحتاج إلى نموذجه الخاص. وإنما الدرس أن السياحة ليست منتجًا واحدًا مفروضًا على الجميع، وأن الوجهة تستطيع تحديد هويتها والسوق الذي تريد خدمته ثم بناء التجربة المناسبة له.
ويمكن للنموذج السوداني أن يقدم خصوصية حقيقية للأسرة: فيلات بمسابح خاصة، ووحدات للأسر، ومرافق أو أوقات خاصة بالنساء حيث يناسب ذلك، وأماكن آمنة للأطفال، ومصليات جيدة، وطعامًا حلالًا عالي الجودة، وخدمة تراعي احتياجات الأسرة من الحجز حتى المغادرة.

لكن هذه الهوية لا تجعل الوجهة حكرًا على المسلمين. فالغواص يأتي للشعاب والبحر، ومحب الطبيعة للهدوء والمشاهدة، والأسرة للأمان والراحة، والباحث عن الاستجمام للخصوصية والسكينة. ومن تناسبه التجربة مرحب به، مسلمًا كان أو غير مسلم، ما دام يحترم قواعد المكان.
ولهذا لا ينبغي أن نسوق السودان عالميًا بلغة الممنوعات.
لا تكون رسالتنا الأولى: ماذا لا يوجد عندنا؟ بل: ماذا سيجد السائح عندنا؟
بحر استثنائي، وشعاب مرجانية، وخصوصية وهدوء، وسكن راقٍ، وغوص ورياضات بحرية، وطعام وطبيعة وثقافة وتجربة مختلفة، على أن تكون هوية الوجهة وضوابطها واضحة للسائح منذ الحجز.
فالقيم تحدد المنتج، والجودة تبيعه.
وتكتمل هذه الهوية بجودة تضاهي أفضل الوجهات العالمية؛ في السكن والطعام والنظافة والخدمة وسائر تفاصيل التجربة. فالسائح الذي يختار منتجعًا فاخرًا ويدفع ثمنه ينتظر مستوى يليق بما دفعه وبما وُعد به.

ولذلك يكون المبدأ:
ضوابطنا ثابتة، ومعاييرنا عالمية.
بل قد تصبح الهوية الواضحة ميزة لوجهة جديدة. فلن تكون ميزة السودان في البداية كثرة المنتجعات أو الرحلات الجوية أو شهرة العلامة السياحية، لكنه يستطيع أن ينافس بالاختلاف: بحر وطبيعة وخصوصية وأسرة وقيم وجودة في منتج واحد.
ولا يعني ذلك افتراض أن السوق سيقبل المنتج تلقائيًا؛ بل نختبره ونقيس الطلب عليه، ثم نبني التوسع على البيانات لا الأمنيات.
فالبحر الأحمر السوداني لا يحتاج إلى أن يتخلى السودان عن شخصيته حتى يصبح عالميًا. وقد تكون الفرصة في العكس تمامًا:
أن نقدم للعالم شيئًا متميزًا، بدل أن نصبح نسخة باهتة من غيرنا.
سياحة راقية بلا محرّمات، لكنها غنية بالبحر والطبيعة والخصوصية والرياضة والعافية والطعام والثقافة وحسن الخدمة؛ ترحب بمن تناسبه التجربة، وتطلب من الجميع احترام هويتها.
وحين نحدد هوية المنتج، يأتي السؤال التجاري:
من هم السياح الذين ينبغي أن نستهدفهم أولًا؟ ومن منهم أقرب وصولًا وأكثر ملاءمة لما نملكه؟
ذلك ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله:
«من الأسرة إلى الغوص… من هو سائحنا؟»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى