النفايات… بين الفوائد والبوائق (3 من 4): مافيا السموم… المال مقابل تسميم الأرض والإنسان
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

رأينا كيف يمكن للنفايات، إذا أُحسن فرزها ومعالجتها، أن تصبح مواد خامًا وطاقة وصناعة ووظائف. لكن للموضوع وجهًا مظلمًا: فكلما ارتفعت تكلفة المعالجة الآمنة لبعض النفايات الخطرة، ازداد إغراء التخلص منها بطرق غير مشروعة.
وهنا تكمن خصوصية هذه الجريمة؛ فكثير من النفايات الخطرة يمثل كلفة على مالكه، فيدفع لمن يعالجها أو يتخلص منها وفق القانون. فإذا تقاضى وسيط المال ثم دفنها سرًا، أو خلطها بالنفايات العادية، أو نقلها بوثائق مضللة، تحولت تكلفة السلامة التي تجنبها إلى ربح غير مشروع.
وما يسمى صحفيًا «مافيا النفايات» ليس تنظيمًا عالميًا واحدًا، بل وصف لشبكات وجماعات وشركات ووسطاء ضالعين في جرائم النفايات بدرجات مختلفة. واتفاقية بازل تعد الاتجار غير المشروع بالنفايات الخطرة وغيرها من النفايات المشمولة بها فعلًا إجراميًا، ومن صوره النقل دون الإخطارات والموافقات المطلوبة، أو بالغش والتزوير، أو التخلص المتعمد المخالف للاتفاقية.
وتتنوع الحيل؛ فقد توصف النفاية الخطرة في الأوراق بأنها مادة مستعملة أو قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير، أو تُخلط بمواد أخرى، أو تُزوّر بيانات الشحنة ووجهتها. وهكذا قد يبدو ما يدخل الميناء «سلعًا مستعملة»، بينما يكون في حقيقته عبئًا بيئيًا نُقل إلى مكان أرخص وأضعف رقابة.
ومن أشهر الوقائع قضية السفينة Probo Koala سنة 2006، حين أُفرغت أكثر من 500 طن من المخلفات السامة في أبيدجان بساحل العاج، ثم وُزعت على مواقع متعددة؛ ووفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، قُتل 17 شخصًا وتسمم آلاف، فأصبحت الواقعة رمزًا عالميًا لمخاطر نقل النفايات السامة والتخلص منها في بيئات ضعيفة الحماية.
والظاهرة ليست من الماضي؛ ففي 2025 أعلنت يوروبول تفكيك شبكة متهمة بالتخلص غير المشروع من نحو 35 ألف طن من النفايات الخطرة والطبية المنقولة من إيطاليا وسلوفينيا وألمانيا إلى كرواتيا، وقدرت أرباحها بما لا يقل عن 4 ملايين يورو، مع استخدام شركات قانونية ووثائق مضللة لإظهار بعض الشحنات كأنها مخصصة للتدوير. وفي عملية دولية أوسع انتهت العام نفسه، تعاونت جهات من 71 دولة في خمس قارات ضد شبكات متورطة في جرائم النفايات والتلوث.
ومعادلة الربح بسيطة: المعالجة القانونية قد تحتاج إلى تحليل وتصنيف وعبوات ونقل متخصص ومعالجة ومنشأة مؤمنة ومراقبة لاحقة؛ أما المجرم فقد يختصر ذلك كله في حفرة أو مكب عادي أو حرق عشوائي أو شحنة بوثائق مزورة. فكل كلفة سلامة يتجنبها تتحول إلى ربح له، ثم تنتقل الفاتورة إلى المجتمع.
وقد تكون الفاتورة باهظة؛ إذ يمكن للملوثات أن تصل إلى التربة والمياه، وللحرق غير المنضبط أن يطلق مواد ضارة في الهواء، وبعض المعادن الثقيلة والملوثات لا يختفي سريعًا بل قد يبقى طويلًا أو يدخل السلسلة الغذائية.
وتبرز النفايات الإلكترونية مثالًا واضحًا؛ فتحطيم الأجهزة أو حرقها أو استخدام الأحماض بطرق بدائية لاستخلاص المعادن قد يطلق الرصاص والزئبق ومواد سامة أخرى، وتحذر منظمة الصحة العالمية بصفة خاصة من تعرض الأطفال والحوامل لهذه الملوثات في مواقع المعالجة غير الآمنة.
ولهذا شدد المجتمع الدولي القيود. فقد دخل تعديل الحظر لاتفاقية بازل حيز النفاذ في 2019، كما توسعت لاحقًا الضوابط المتعلقة بالنفايات البلاستيكية والإلكترونية، وأصبحت حركة النفايات الكهربائية والإلكترونية عبر الحدود خاضعة، منذ 1 يناير 2025، لإجراءات أكثر صرامة في إطار الاتفاقية.
والوقاية لا تبدأ عند الميناء فقط، بل من تتبع النفاية من المهد إلى اللحد: من أنتجها؟ وما نوعها ووزنها؟ ومن نقلها؟ وإلى أي منشأة وصلت؟ وماذا حدث لها هناك؟ ويمكن للسجلات الإلكترونية والوزن الآلي وتتبع المركبات وربط بيانات المصانع والمستشفيات والجمارك والموانئ والجهات البيئية أن تضيق مساحة التلاعب.
ونحن في السودان أحوج إلى بناء هذا النظام؛ لاتساع البلاد وحدودها وتعدد أنشطة التعدين والصناعة والصحة وغيرها. وينبغي حصر النفايات الطبية والتعدينية والصناعية والكيميائية، وفصل الخطرة منها منذ المصدر، وتحديد المنتج والناقل ومكان المعالجة، وإخضاع ما يدخل عبر الحدود للفحص والتوثيق الصارمين.
ويمكن تلخيص القاعدة المطلوبة في أمرين: ألا تدخل البلاد نفاية خطرة مجهولة المحتوى أو المصدر أو المصير، وألا تختفي نفاية خطرة منتجة داخل السودان بين مصدرها ومكان معالجتها. ويعين على ذلك سجل قومي إلكتروني مرتبط بالجمارك والموانئ والولايات والجهات البيئية والصحية والتعدينية، مع عقوبات تجعل الجريمة أغلى من الالتزام بالقانون.
لكن نجاح ذلك مرتبط مرة أخرى بإصلاح البيئة الكلية؛ فالتشريع لا يكفي دون أجهزة رقابية ومختبرات وجمارك وقضاء وشفافية ورقمنة ومكافحة للفساد. ويمكن البدء الآن، لكن الحماية المستدامة تحتاج مؤسسات دولة قادرة على التنفيذ؛ لأن هذه التجارة تقوم في جوهرها على أن الأرباح خاصة وعاجلة، بينما قد تصبح الخسائر عامة وطويلة الأجل، وما يبدو اليوم أرخص طريق للتخلص من السموم قد يصبح غدًا فاتورة تدفعها الدولة من صحة الناس ومائها وأرضها.
وبين النفايات التي يمكن أن تصبح ثروة، وتلك التي قد تصبح سمًا، يبقى السؤال الأخير: كيف نبني منظومة تستخرج أقصى منفعة ممكنة، وتمنع أقصى ضرر ممكن؟
ذلك موضوع المقال القادم والأخير إن شاء الله.





