مقالات

حين ينهض الإنسان تنهض الأمة

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

كثيرًا ما نتحدث عن نهضة الأمة كأنها قرار يصدر من أعلى، أو قائد يظهر في لحظة تاريخية فينقل الناس من حال إلى حال. والحقيقة أن القيادة الراشدة قد تكون بالفعل نقطة التحول الكبرى؛ إذا امتلكت العلم والرؤية والحسم، وشخّصت جذور الخلل، ثم عالجتها بحزمة متكاملة من الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي والقيمي، بدل معالجة الأعراض وترك أسباب المرض.

وهذا هو الطريق الأمثل والأسرع؛ لأن إصلاح البيئة العامة يتضمن في جوهره إصلاح الفرد والمجتمع. فحين يستقيم القانون، وتصلح المؤسسات والتعليم، وتُربط المسؤولية بالمحاسبة، ويُكافأ المجتهد ويُردع الفاسد، وتُفتح أبواب الإنتاج والعمل، يتغير سلوك الناس، وتتحول القيم الصالحة من جهود فردية متفرقة إلى ثقافة يعززها النظام العام. وهكذا تختصر القيادة الراشدة على الأمة طريقًا طويلًا، وتجمع طاقاتها في مشروع واحد.

لكن انتظار هذا الحل لا يجوز أن يصبح عذرًا للركود؛ فلا أحد يدري متى تتهيأ القيادة القادرة على الإصلاح الشامل. ومن ثم لا مناص، حتى يأتي ذلك الانفراج، من أن يتحرك كل منا بما يستطيع في نفسه وبيته وعمله ومجتمعه، وأن يبادر العلماء والخبراء وأصحاب الهمم بما يقدرون عليه من مؤسسات ومبادرات وتعاون وإصلاح.

فالأمة ليست كيانًا منفصلًا عن أبنائها، وإنما هي حصيلة ما فيهم من علم أو جهل، وأمانة أو تهاون، وعمل أو كسل، ونظام أو فوضى. ولا يمكن أن ننتظر مجتمعًا متقنًا من أفراد لا يتقنون أعمالهم، ولا دولة تحترم الوقت والحقوق إذا كان التفريط فيهما سلوكًا يوميًا.

وليس في ذلك تحميل للفرد مسؤولية الدولة، ولا جعل الإصلاح الجزئي بديلًا عن الإصلاح الشامل؛ وإنما هو فعل الممكن حتى يصبح الأكمل ممكنًا. فالموظف الذي لا يعطل مصالح الناس، والمعلم الذي يبني العقول، والطبيب الأمين، والتاجر الصادق، والمزارع والصانع المتقنان، والطالب الجاد؛ كلهم يضعون لبنات في بناء الأمة.

وكثير من أمراض المجتمعات يبدأ صغيرًا: موعد لا يُحترم، ووعد لا يُوفى، وعمل لا يُتقن، وحق يُهمل، ومسؤولية يُتهرب منها. فإذا تكررت هذه السلوكيات في البيوت والأسواق والمدارس والمؤسسات أصبحت ثقافة عامة. وفي المقابل، حين يصدق الفرد يقل الكذب، وحين يتقن تقل الرداءة، وحين يحترم الوقت تنحسر الفوضى، وحين يبادر إلى الخير تتسع دوائر النفع.

بل إن كل عمل نافع قد يصبح عبادة بالنية الصادقة؛ فالزراعة والتعليم والصناعة والتجارة والطب والإدارة والكتابة وخدمة الناس وإصلاح ذات البين كلها أبواب للخير إذا قصد بها وجه الله ونفع خلقه وعمارة الأرض. قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

ومن الحراك المطلوب كذلك أن ينهض العلماء والخبراء وأصحاب المبادرات بإنشاء مراكز تفكير ومؤسسات ومنصات نافعة تدرس المشكلات، وتقترح الحلول، وتجمع العقول والطاقات، وتبني الوعي. فليس مطلوبًا من كل خطوة أن تحقق النهضة كاملة؛ يكفي أن تضيء جزءًا من الطريق، وتُعِدَّ المجتمع للمشروع الأكبر.

ومن أبلغ ما يربي المسلم على العمل وعدم انتظار اكتمال الظروف قول النبي ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». فإذا كان غرس الفسيلة مطلوبًا في آخر لحظات الدنيا، فكيف بأعمال الإصلاح والبناء ونحن نملك الوقت والقدرة والفرصة؟

وقد يعمل الإنسان ولا يرى الثمرة، وحسبه أن يؤدي واجبه. وفي قصة أصحاب السبت قال الناصحون لمن استبعد جدوى نصحهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ فلم يجعلوا ضعف الاستجابة عذرًا لترك العمل.
لسنا إذن أمام خيارين متعارضين: قائد يصلح الأمة، أو أفراد يصلحون أنفسهم. الحل الأمثل قيادة راشدة تعالج جذور الخلل بحزمة إصلاحات متكاملة، فتصلح البيئة العامة، ومن خلالها يتسارع إصلاح الفرد والمجتمع؛ ولكن إلى أن يتحقق ذلك لا يجوز أن تتوقف الأمة عن الحركة.

وصحيح أن جهود الأفراد والمجتمعات لن تبلغ بالإصلاح تمامه، ولن تغني عن ذلك المشروع الشامل، لكنها تحقق من الخير ما يمكن تحقيقه وتحفظ من الطاقات ما يمكن حفظه؛ فتحصيل بعض الخير خير من تركه كله، وإدراك الممكن خير من ضياع الممكن والكامل معًا.
وحين ينهض الإنسان ينهض معه جزء من أمته؛ فإذا جاء الانفراج الأكبر، وتهيأت القيادة القادرة على إصلاح الجذور، وجدت أمة أكثر استعدادًا للاستجابة والنهوض، فاجتمع إصلاح القمة مع صلاح القاعدة، وكان الطريق إلى النهضة أقصر وأرسخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى