الأخبارالسودانتقارير

عندما يصبح الضجيج إعلاما… من سرق بوصلة الميديا السودانية؟

بقلم | العقاد خالد محي الدين

في زمن الأزمات، يصبح الإعلام خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع. فهو ليس مجرد ناقل للأحداث، بل مؤسسة تصنع الرأي العام، وتحمي الهوية، وتوجه الأجيال نحو المعرفة والبناء. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما نشاهده على كثير من المنصات السودانية هو إعلام حقيقي، أم مجرد ضجيج رقمي يرتدي ثوب الإعلام؟

المتجول بين منصات البث المباشر يلاحظ أن المشهد الإعلامي السوداني شهد خلال السنوات الأخيرة تحولا مقلقا، خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وانهيار الحواجز التي كانت تفصل بين الإعلام المهني وصناعة المحتوى العشوائي. فأصبح امتلاك هاتف ذكي كافيا ليمنح صاحبه لقب “إعلامي”، دون دراسة، أو تدريب، أو معرفة بأخلاقيات المهنة.

ولعل أكثر النماذج إثارة للجدل ما يعرف بـ”كاميرا الشارع”. فقد بدأت في كثير من الدول وسيلة لقياس نبض المجتمع، واستطلاع آراء المواطنين حول القضايا العامة، لكنها في السودان انحرفت في كثير من الحالات عن هذا الدور، لتتحول إلى وسيلة تبحث عن المواقف المحرجة، والإجابات الساذجة، والمقاطع التي تثير السخرية، لأنها تحقق انتشارا أسرع، وتجذب مزيدا من الإعلانات والمشاهدات.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت موجة من البثوث المباشرة التي تقوم على إثارة الخلافات، واستضافة شخصيات لا تمتلك أي رصيد علمي أو فكري، بينما يغيب الأكاديميون، والباحثون، والمبدعون، وأصحاب الخبرة عن المشهد، وكأن المعرفة لم تعد سلعة مرغوبة في سوق المنصات الرقمية.

عندما تتحكم الخوارزميات في الذوق العام
تشير دراسات الإعلام الرقمي إلى أن خوارزميات منصات التواصل لا تكافئ المحتوى الأفضل، وإنما تكافئ المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل. فكلما زادت الصدمة، والجدل، والاستفزاز، ارتفعت نسب الوصول والانتشار.

وهنا تبدأ دائرة خطيرة؛ إذ يسعى بعض صناع المحتوى إلى تقديم المزيد من الإثارة، ولو كان ذلك على حساب الأخلاق، أو الذوق العام، أو احترام الإنسان، لأن النجاح أصبح يقاس بعدد المشاهدات، لا بقيمة الرسالة.

ويؤكد علماء النفس أن التعرض المستمر لهذا النوع من المحتوى يؤدي إلى ما يسمى “تبلد الحس القيمي”؛ حيث يعتاد المتلقي على السلوكيات غير اللائقة، حتى تصبح جزءا من الحياة اليومية، وهو ما يفسر اتساع دائرة قبول الألفاظ الهابطة، والسخرية، والتشهير، والابتذال.
المرأة بين الحضور والإساءة

ومن أكثر الظواهر المثيرة للقلق استغلال بعض المنصات لصورة المرأة بوصفها وسيلة لجذب الجمهور، من خلال تقديم محتوى يقوم على الاستعراض والجدل، بعيدا عن أي قيمة فكرية أو ثقافية.
ولا يتعلق النقد هنا بحرية المرأة في الظهور أو العمل الإعلامي، وإنما برفض تحويلها إلى وسيلة لزيادة نسب المشاهدة، لأن الإعلام الحقيقي يحترم الإنسان، رجلا كان أو امرأة، ويقدمه باعتباره صاحب رسالة، لا أداة للتسويق.
أين الإعلاميون الحقيقيون؟

في المقابل، يزخر السودان بعشرات الكفاءات في مجالات الطب، والهندسة، والاقتصاد، والزراعة، والتربية، والأدب، والعلوم، لكن حضورهم الإعلامي يظل محدودا أمام طوفان المحتوى السطحي.
إن هذه المفارقة تطرح سؤالا مؤلما: كيف يصبح صاحب المعلومة غائبا، بينما يتصدر المشهد من لا يملك سوى إثارة الجدل؟

الحرب زادت المسؤولية… لا المبررات
بعد اندلاع الحرب، كان المنتظر أن ترتقي الرسالة الإعلامية لمواكبة حجم المأساة، وأن تركز على قضايا النزوح، والتعليم، والصحة، وإعادة بناء المجتمع، والدعم النفسي، والمحافظة على الهوية الوطنية.
لكن جزءا من الميديا انشغل بخلافات شخصية، وبثوث فارغة، ومحتوى لا يلامس معاناة ملايين السودانيين الذين فقدوا منازلهم، ومدارسهم، وأعمالهم، وأمنهم.
الإعلام مسؤولية… لا سباق مشاهدات

الإعلام ليس تجارة للمشاهدات، ولا مسرحا للشهرة السريعة، بل رسالة تؤثر في عقول الناس، وتشارك في صناعة مستقبل الأوطان.
ولهذا فإن إصلاح الميديا السودانية يبدأ بإعادة الاعتبار للمهنية، وتشجيع المحتوى العلمي والثقافي، ووضع مواثيق أخلاقية تحمي المجتمع من الانحدار، مع دعم الإعلاميين المؤهلين، وفتح المنابر أمام أصحاب الكفاءة والخبرة.
كلمة أخيرة

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس انتشار الجهل، بل أن يتحول الجهل إلى بطولة، والتفاهة إلى نجومية، والابتذال إلى نموذج يحتذى.
وإذا أردنا أن نستعيد مكانة الإعلام السوداني، فعلينا أن نعيد تعريف النجاح الإعلامي؛ فلا يكون بعدد المشاهدات، بل بعدد العقول التي أنارها، والقيم التي رسخها، والإنسان الذي أسهم في بنائه.
فالأمم لا تنهض بضجيج الشاشات، وإنما ترتقي حين يكون الإعلام مدرسة للعقل، ومنبرا للحقيقة، ورسولا للأخلاق.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى