مقالات

الخرطوم.. أنقرة رحلة البحث عن شركاء للتنمية وإعادة إعمار السودان (1/2)

د.مهندس مستشار/ مالك علي محمد دنقلا : يكتب

أدركت من واقع تجارب وخبرات امتدت لسنوات طويلة، أن الرحلات ليست كلها مجرد انتقال من مكان إلى آخر، أو من دولة إلى أخرى، فهناك رحلات تنتهي بمجرد العودة إلى الوطن، وأخرى تبدأ بعد العودة؛ لأنها تترك أثرا عميقا في الذهن، وتوقظ أفكارا جديدة، وتلهم رؤى قد تتحول إلى مبادرات ومشروعات، وتفتح ابوابا لاسئلة هامة ماذا يمكن أن نفعل لبلادنا إذا صادفنا فكرة صحيحة، ومؤسسة جادة، وشركاء جادون يؤمنون بأن التنمية ليست حلماً بعيداً؟..
بهذا المعنى، كانت رحلتي إلى العاصمة التركية أنقرة

للمشاركة في الاجتماع الأربعين لمجلس إدارة الغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية، والفعاليات المصاحبة له، حيث لم تكن مجرد مشاركة في اجتماع دولي، بل كانت فرصة للتأمل في قضية تشغلني منذ سنوات، وتزداد إلحاحا مع ما يمر به السودان من ظروف حرجة، خاصة وقد انعقد الاجتماع هذا العام تحت شعار يحمل دلالة عميقة: ” تمكين القطاع الخاص لبناء اقتصادات مستدامة”.
وبينما كان هذا الشعار يعبر عن تطلعات كثير من الدول الأعضاء، كنت أراه يعكس بصورة مباشرة احتياجات السودان في هذه المرحلة الدقيقة، فبلادنا لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى رؤية جديدة تجعل القطاع الخاص شريكا رئيسيا ومهما في عملية البناء والتنمية.

وقد شاركت في هذا الاجتماع ممثلا لاتحاد أصحاب العمل السوداني، ونائبا لرئيس اتحاد الغرف التجارية السوداني، حاملا تحيات السيد معاوية البرير، رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني،. وإلى جانب هذه المهمة، كنت أحمل في داخلي سؤالا ظل يرافقني طوال جلسات الاجتماع، وهو: كيف يمكن أن نجعل مشاركة السودان في مثل هذه المنصات الإقليمية والدولية مشاركة فاعلة ومؤثرة، تتجاوز الحضور البروتوكولي إلى طرح المبادرات، وبناء الشراكات، وفتح آفاق جديدة تسهم في دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية؟.

كانت علاقتي بالغرفة قد بدات في مايو عام 2015، عندما كانت تحمل اسم الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة والزراعة، ثم تطورت رسالتها واتسعت رؤيتها ليصبح اسمها الغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية، وهو تغيير عكس تحولا في طبيعة الدور الذي تسعى المؤسسة إلى القيام به في خدمة القطاع الخاص والتنمية داخل العالم الإسلامي.
ومنذ ذلك الحين، تنقلت اجتماعات مجلس الإدارة بين عواصم ومدن الدول الأعضاء؛ من أنقرة إلى عمان، ومن مسقط إلى كراتشي، وغيرها من المدن التي كانت تتيح في كل مرة فرصة للتعرف إلى تجارب جديدة، وبناء علاقات أوسع مع مؤسسات القطاع الخاص في العالم الإسلامي،

حتي ترسخت لدي قناعة بأن الغرفة الإسلامية ليست مجرد كيان اقليمي يجمع الغرف والاتحادات، بل هي جسر حقيقي بين مجتمعات الأعمال في سبع وخمسين دولة اسلامية، ومساحة لتبادل الفرص، وبناء الشراكات، وتقريب الرؤى، وتحويل الحديث عن التكامل الاقتصادي الإسلامي من شعارات إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ.
فالغرفة الإسلامية، في جوهرها، فكرة عظيمة، والافكار العظيمة تحتاج دائما إلى من يؤمن بها ويعمل من اجلها باخلاص، وهنا يحضر اسم الشيخ صالح عبد الله كامل، رحمه الله، والذي آمن باهمية وجود كيان اقتصادي يجمع القطاع الخاص في العالم الإسلامي، ويوفر له منصة للتعاون والتكامل وتبادل الخبرات، ويمنحه صوتا يعبر عن طموحاته ، فنجح في تاسيسها بايمان وعزيمة وصبر.

وهكذا الرجال الذين يؤسسون المؤسسات الكبري لا تنتهي رسالتهم برحيلهم، لأن ما يتركونه من أفكار ومبادرات يظل حيا في كل تعاون يكتمل، وكل مشروع ينشأ، وكل شراكة تتم تحت مظلة تلك المؤسسات، لذا بقي أثر الشيخ صالح كامل حاضرا في مسيرة الغرفة الإسلامية، وفي كثير من المبادرات التي أطلقتها خلال السنوات الماضية.
ومن هنا وأنا أتابع أعمال الاجتماع في أنقرة، وجدتني أستحضر هذا المعنى، وأقارنه بما يمر به السودان اليوم، فما أحوج وطننا، وهو يواجه تحديات إعادة البناء بعد سنوات الحرب، إلى مؤسسات تؤمن بقدرته على النهوض، وإلى رجال ينظرون إلى الأزمات باعتبارها نقطة انطلاق نحو الطريق الصحيح.

فإعادة الإعمار ليست مجرد إعادة تشييد ما تهدم، بل هي إعادة بناء الثقة، وإحياء الاقتصاد، واستثمار الطاقات البشرية، وإيجاد شراكات جديدة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وهي مهمة لا تستطيع الحكومات أن تنهض بها وحدها، بل تحتاج إلى قطاع خاص مبادر، ومؤسسات إقليمية فاعلة، ورؤية واضحة ، وشراكة مجتمعية للبناء والتنمية.
وكنت أحمل أيضاً تساؤلات اخري طوال ايام المؤتمر وهي: كيف نحول حضور السودان في مثل هذه المنصات الاقتصادية الي ادوات حقيقية تسهم في اعادة اعماره، وتفتح أمامه أبوابا جديدة للاستثمار والتنمية؟.. كيف ننتقل من المشاركة إلى المبادرة؟ وكيف نحول ملف إعادة الإعمار

من حديث داخلي إلى قضية تعرض أمام الغرف، ومؤسسات التمويل، والمستثمرين، والمقاولين، والاستشاريين؟..
كنت أؤمن بأن المرحلة التي يمر بها السودان تفرض علينا تغيير طريقة التفكير، فلم يعد كافيا أن نطالب بالمساندة والدعم، بل أصبح من الضروري أن نتقدم نحن بأفكار ومبادرات قابلة للتنفيذ، وتفتح الباب أمام الشراكات والاستثمارات، ومن هنا جاءت فكرة المبادرة التي طرحتها في كلمتي:” منتدى الغرفة الإسلامية لتمويل إعادة الإعمار والشراكات التنموية.”.

كانت الفكرة بسيطة في عنوانها، لكنها كبيرة في معناها حيث انطلقت من سؤال هام لماذا لا تكون الغرفة الإسلامية منصة تجمع كافة الاطراف المعنية باعادة الاعمار ؛ الدول التي تحتاج إلى إعادة إعمار، ومؤسسات التمويل التي تملك أدوات التمويل والضمان، وشركات المقاولات التي تملك الخبرة والقدرة على التنفيذ، والمكاتب الاستشارية التي تقدم الدراسات والتصميمات، والغرف التجارية التي تمثل القطاع الخاص، إلى جانب الحكومات التي تحدد الأولويات وتوفر البيئة التشريعية المناسبة.

فإعادة الإعمار لم تعد مسؤولية الحكومات وحدها.. كما لم تعد الموازنات العامة أو القروض السيادية كافية لتغطية احتياجات الدول الخارجة من الحروب والكوارث لذلك يجب أن نفكر بطريقة مختلفة: أن نحول الاحتياجات إلى مشاريع، والمشاريع إلى دراسات، والدراسات إلى ملفات قابلة للتمويل، والتمويل إلى شراكات، والشراكات إلى عمل يرى الناس أثره في الطريق، والمستشفى، والمدرسة، والمزرعة، والمصنع.

لهذا كنت أرى أن الغرفة الإسلامية تمتلك من المقومات ما يؤهلها للقيام بهذا الدور، فهي تجمع تحت مظلتها مؤسسات القطاع الخاص في سبع وخمسين دولة، وتربطها علاقات واسعة مع البنوك وصناديق التمويل والمؤسسات الاقتصادية، وهو ما يجعلها قادرة علي ان تجمع الأطراف حول طاولة واحدة بحيث تكون حلقة الوصل بين من يحتاج إلى إعادة الإعمار، ومن يمتلك القدرة على تمويلها أو تنفيذها، وبالتالي تستطيع أن تجعل من إعادة إعمار السودان والدول المتأثرة بالحروب والكوارث ملفاً اقتصادياً إسلامياً مشتركاً، لا ملفاً محلياً معزولاً، فالعالم الإسلامي واسع، وداخله من يملك المال، ومن يملك التكنولوجيا، ومن يملك الأسواق، ومن يملك الخبرة، ومن يملك الموارد.

ومن هنا فإن القضية لم تعد مجرد البحث عن المال، بل أصبحت تبدأ بإعداد مشروع متكامل؛ فكرة واضحة، ودراسة جدوى، وآلية تمويل، وضمانات، وجدول زمني، وشركاء قادرون على التنفيذ. وعندما تكتمل هذه العناصر، يصبح التمويل نتيجة طبيعية، لا عقبة مستحيلة.
ولعل ما شجعني على طرح هذه الفكرة هو قناعة ترسخت لدي عبر سنوات من المشاركة في المؤتمرات والمنتديات الاقتصادية، فقد تعلمت من رحلتي السابقة إلى باكو عاصمة اذربيجان أن الإعمار لا يبدأ من الطوب والأسمنت فقط، انما يبدأ قبل ذلك بالعلاقات، وبالتحالفات، وبالمعرفة، وبمعرفة كيف تفكر مؤسسات التمويل، وكيف تتشكل المشاريع، وكيف تبنى الثقة.

ففي باكو، رأيت كيف يمكن ان يكون الجلوس علي طاولة واحدة بين مقاول واستشاري ومؤسسة تمويل أن يفتح باباً لفكرة تتحول الي مشروع، وفي أنقرة، عاصمة تركيا رأيت أن هذه الفكرة يمكن أن تتسع لتصبح مبادرة تجمع الحكومات، ومؤسسات التمويل، والقطاع الخاص، والاستشاريين، وشركات المقاولاتحت مظلة الغرفة الإسلامية.
أما السودان، فمن الخطأ أن نقدمه للعالم باعتباره بلدا أنهكته الحرب فحسب، صحيح أن الحرب خلفت دمارا واسعا، لكن السودان يظل واحدا من أكثر بلدان المنطقة امتلاكا لمقومات النهوض. فهو يملك الأرض الخصبة، والمياه، والثروة الحيوانية، والموقع الاستراتيجي، والموارد الطبيعية، والطاقات البشرية، والتاريخ والاسواق، وكلها عناصر تجعل منه بيئة جاذبة للاستثمار إذا أحسن عرضها،

وأُعدت لها المشروعات القابلة للتنفيذ، اي ان السودان لديه القدرة على أن يكون جزءاً من الحل لا مجرد عنوانا للأزمة.
ولذلك يجب علينا أن نذهب إلى المنصات الإقليمية والدولية بمشاريع محددة. فالمستثمر لا يبحث عن خطاب عاطفي، ومؤسسات التمويل لا تمول الأمنيات، وإنما تنظر إلى مشروع واضح، ودراسة جدوى متقنة، وهيكل تمويلي، وضمانات، وجهة تنفيذ، وآلية متابعة، وشركاء يتمتعون بالمصداقية والكفاءة.
لذا فإن مسؤولية القطاع الخاص السوداني لا تقل أهمية عن مسؤولية الدولة، فالمرحلة المقبلة تتطلب إعداد المشروعات قبل البحث عن التمويل، وبناء الشراكات قبل طلب الدعم، وامتلاك رؤية واضحة قبل طرق أبواب المؤسسات الدولية والإقليمية.

وخلال وجودي في أنقرة، شعرت بأن السودان ما زال قادرا على أن يحجز مكانه في خريطة التنمية الإقليمية، إذا أحسن ترتيب أولوياته، واستثمر ما يمتلكه من فرص، وأن الغرفة الإسلامية يمكن أن تكون جسراً من جسور العبور، وأن مبادرة منتدى إعادة الإعمار، إذا وجدت من يتابعها، يمكن أن تتحول من مقترح في كلمة إلى منصة عملية تخدم السودان ودولاً أخرى مرت أو تمر بظروف مشابهة.
ولهذا لم تكن رحلتي إلى أنقرة مجرد مشاركة في اجتماع، بل كانت وقفة أمام سؤال أكبر: كيف نحول الوجع إلى مشروع؟ كيف نوقظ الهمة في القطاع الخاص؟ وتفتح الطريق أمام مشروعات تنموية حقيقية يشعر المواطن العادي بآثارها في المدرسة التي تبنى، والمستشفى الذي

يجهز، والطريق الذي يعبد، والمزرعة التي تعود للإنتاج، والمصنع الذي يوفر فرص العمل، كيف نقول لشباب السودان إن الإعمار ليس انتظاراً لنهاية الحرب فقط، بل استعداد يبدأ الآن؟ وكيف نعيد بناء الثقة بأن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه الأزمات، لا يزال قادراً على النهوض؟.
وفي الجزء الثاني من المقال، سوف يأخذنا الحديث إلى تركيا نفسها؛ لنتعرف علي تجربة جديرة بالتامل في بلد عرف الأزمات، وذاق اضطراب الاقتصاد، وواجه تحديات

الخدمات، لكنه قدم نماذج في التخطيط والتنفيذ، فمن إسطنبول التي انتظمت فيها المياه، إلى مقر اتحاد الغرف والبورصات التركي الذي يحكي قوة القطاع الخاص، إلى مشاريع الشراكة الكبرى، إلى لقاء نائب الرئيس التركي، إلى المائدة المستديرة عن الأمن الغذائي، إلى اجتماع اتحاد المقاولين التركي. وكيف استطاعت تركيا أن تجعل من القطاع الخاص شريكا في التنمية؟، وما الذي يمكن للسودان أن يتعلمه من تلك التجربة وهو يستعد لمرحلة إعادة الإعمار؟ .
فهناك، بين التجربة التركية وحلم السودان، تتضح لنا بعض ملامح الطريق.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى