مقالات

م. الصادق عباس نجّار يكتب | حين تتقدم المؤسسات على الروايات

في مراحل التعافي الوطني، لا تُختبر المؤسسات فقط بقدرتها على تنفيذ المشروعات، وإنما تُختبر أيضاً بقدرتها على تجاوز الروايات التي تُصنع حولها.

فكل مؤسسة عامة تمتلك تاريخاً يمتد عبر أجيال من العاملين، تعاقبت عليها إدارات مختلفة، ونجاحات وإخفاقات، وتجارب مهنية وإنسانية متباينة. ومن الطبيعي أن يغادر بعض أفرادها وهم يحملون قراءات مختلفة للماضي، وربما مواقف شخصية أو فكرية أو سياسية تشكل نظرتهم إليها لاحقاً.

وهذا أمر مألوف في جميع المؤسسات؛ فكل جيل يروي التجربة من زاويته، وكل فرد يحتفظ بذاكرته الخاصة. لكن الذاكرة، مهما كانت صادقة بالنسبة لصاحبها، تظل جزءاً من الصورة، وليست الصورة كلها.

غير أن مستقبل المؤسسات لا يُبنى بالروايات، وإنما بالأداء.

فالتجارب الإدارية الرائدة تؤكد أن المؤسسة التي تنشغل بتتبع كل ما يقال عنها، تفقد تدريجياً تركيزها على ما ينبغي أن تنجزه. أما المؤسسة التي تجعل الإنجاز هو لغتها الأساسية، فإن الزمن نفسه يصبح أفضل من يدافع عنها.

ولذلك فإن مرحلة إعادة الإعمار في السودان تفرض على المؤسسات العامة مسؤولية مضاعفة؛ فهي مطالبة بأن تعمل في بيئة ما تزال مثقلة بآثار الحرب، وفي الوقت نفسه مطالبة باستعادة ثقة المجتمع عبر نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

إن المؤسسة ليست ملكاً لمدير، ولا لجيل من العاملين، ولا لفترة زمنية بعينها. إنها وعاء للدولة، ورسالتها تستمر مهما تبدلت القيادات أو تغيرت المواقع.

ومن هذا المنطلق، فإن تطوير الهياكل الإدارية، وإعادة توزيع الاختصاصات، وتبادل القيادات والخبرات، ليست إجراءات استثنائية، بل أدوات طبيعية لتجديد الحيوية المؤسسية، وضمان انتقال المعرفة، وبناء صف ثانٍ من القيادات القادرة على مواصلة الرسالة.

كما أن تقييم المسؤولين ينبغي أن يرتبط بما يضيفونه للمؤسسة، لا بطول بقائهم في مواقعهم. فالموقع الإداري ليس غاية، وإنما وسيلة لخدمة أهداف أكبر.

وفي المقابل، يبقى النقد الموضوعي ضرورة لا غنى عنها لأي مؤسسة تسعى للتطور. لكن النقد يحقق قيمته حين يستند إلى الوقائع، ويقترح حلولاً، ويساعد على تحسين الأداء، لا حين يتحول إلى إعادة إنتاج لخلافات الماضي أو تصفية لحسابات شخصية.

إن مرحلة التعافي ليست مرحلة للانشغال بمن كان على حق بالأمس، وإنما بمن يستطيع أن يحقق مصلحة الوطن اليوم.

ولهذا فإن نجاح المؤسسات خلال السنوات القادمة لن يُقاس بعدد البيانات الصادرة، ولا بحجم النقاشات الدائرة حولها، وإنما بما تحققه من إنجازات قابلة للقياس، وما تقدمه من خدمات، وما تبنيه من شراكات، وما توفره من فرص للتنمية والاستقرار.

فالمواطن لا ينتظر الانتصار في الجدل، وإنما ينتظر مشروعاً يُنفذ، وخدمةً تتحسن، ومؤسسةً تعمل بكفاءة، وقراراً يعالج مشكلاته.

وفي نهاية المطاف، يبقى معيار النجاح بسيطاً وواضحاً:

أن تكون مؤسسات الدولة، بعد كل عام، أكثر كفاءة مما كانت عليه، وأكثر قدرة على خدمة المواطنين، وأكثر استعداداً لقيادة مرحلة التعافي والإعمار.

فالتاريخ لا يحتفظ بكل ما قيل عن المؤسسات…

لكنه يحتفظ دائماً بما أنجزته.

 

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى