مقالات

التنمّر على شخصيات الناس… جريمة صامتة تُرتكب باسم المزاح

عبق الذاكرة | هدى الخليفه النور 

في مجتمعاتٍ يفترض أنها بلغت قدرًا من الوعي والتحضّر، ما زال التنمّر على شخصيات الناس يمارس يوميًا، بأشكالٍ متعددة، وبأدواتٍ قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر، جارحة، ومُدمّرة في باطنها. إنه ذلك السلوك الذي لا يترك كدمةً على الجسد، لكنه يترك شروخًا طويلة الأمد في النفس والروح.

التنمّر على الشخصية لا يستهدف الشكل الخارجي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليطال الطباع، وطريقة الكلام، ومستوى الهدوء أو الجرأة، الخجل أو الصراحة، وحتى أسلوب التفكير والتعبير. فيُتهم الهادئ بالضعف، ويُوصم الحساس بالمبالغة، ويُسخر من الجادّ ببرود المشاعر، وكأن المجتمع لا يقبل إلا نسخةً واحدة من الإنسان، ويُقصي ما عداها بلا رحمة.

وغالبًا ما يُغلف هذا النوع من التنمّر برداء «المزاح» أو «النقد البنّاء»، بينما هو في حقيقته إسقاطٌ لمشكلات داخلية، أو محاولة لإثبات الذات عبر إضعاف الآخرين. فالمتنمّر لا يرى في اختلاف الشخصيات ثراءً إنسانيًا، بل تهديدًا، فيلجأ إلى السخرية أو التقليل من شأن الآخر ليشعر بتفوّقه المؤقت.

الأخطر في التنمّر على الشخصية، أنه يستهدف جوهر الإنسان، لا مظهره العابر. فالطعن في الشخصية يزرع الشك في النفس، ويجعل الضحية تعيد النظر في ذاتها، وتكبت عفويتها، وتخفي حقيقتها خوفًا من الرفض أو السخرية. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الأذى الصامت إلى قلقٍ دائم، أو انسحاب اجتماعي، أو فقدان الثقة بالنفس، بل وربما إلى اضطرابات نفسية أعمق.
ولا يقتصر التنمّر على فئة عمرية بعينها؛ فهو حاضر في المدارس، والجامعات، وأماكن العمل، وحتى داخل الأسرة الواحدة. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع رقعته، حيث صار الحكم على الناس أسرع، والتهكم أكثر قسوة، والاختباء خلف الشاشات ذريعةً للتجرد من الإنسانية.

في المقابل، فإن مواجهة التنمّر على شخصيات الناس تبدأ بالاعتراف بحق الاختلاف. فالشخصيات المتنوعة ليست خللًا اجتماعيًا، بل ضرورة للحياة. الهدوء ليس ضعفًا، والحساسية ليست عيبًا، والاختلاف في التفكير ليس تهديدًا، بل إضافة. المجتمعات التي تحترم التنوّع هي وحدها القادرة على الإبداع والتطوّر.
كما تقع على عاتق المؤسسات التربوية والإعلامية مسؤولية كبرى في نشر ثقافة الاحترام، وتعليم الأفراد منذ الصغر أن النقد لا يكون بالإهانة، وأن الدعابة لا تُبنى على كسر الآخرين. فالكلمة، مهما بدت عابرة، قد تكون سببًا في جرحٍ لا يُرى، لكنه لا يُنسى.

إن التنمّر على شخصيات الناس ليس رأيًا، ولا حرية تعبير، بل هو شكل من أشكال العنف النفسي. ومقاومته لا تبدأ بالقوانين فقط، بل بالوعي، وبإعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخر، وبسؤالٍ بسيط يجب أن يسبق كل كلمة:
هل ما سأقوله سيبني إنسانًا أم يهدمه؟ فأحسِن ما تقول !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى