ملفات المال السري للمليشيا “1” ثروة الحرب .. إمبراطوريات الظل لقادة الدعم السريع في دبي
تحقيق : وكالات

على بعد آلاف الأميال من ركام الخرطوم ومعاناة ملايين النازحين في السودان، تدور خلف الكواليس عجلة استثمارية ضخمة تكسو أموال الحرب طابعاً من الرفاهية الحصرية. تكشف الوثائق المسربة وبيانات الأصول العقارية الخفية لعام 2026 عن واقع موازٍ شيدته الدائرة المقربة من عائلة محمد حمدان دقلو “حميدتي“. فبينما يواجه الوطن أسوأ كارثة إنسانية، نجح جنرالات الدعم السريع في تحويل عوائد الذهب والموارد المنهوبة إلى فيلات وقصور وشقق شاهقة في دبي، متجاوزين بأدوات مالية معقدة وشبكات ظل بشرية كل حواجز العقوبات الدولية المفروضة عليهم.
■ حجم المحفظة العقارية السرية
تثبت البيانات العقارية المسربة التي جرى تتبعها والتحقق منها بالتعاون مع منظمات دولية، أن شبكة “دقلو” تدير محفظة أصول ثابتة تتجاوز قيمتها 24 مليون دولار أمريكي. تشتمل هذه المحفظة على أكثر من 20 عقاراً فاخراً جرى شراؤها وضخ أموالها على فترات زمنية متقطعة، لتمثل الملاذ الآمن والثروة العابرة للأجيال التي تم سحبها مباشرة من شريان الاقتصاد السوداني قبل النزاع وخلاله.
■ شقق القائد بالاسم الصريح
رصد التحقيق الاستقصائي أولى الخطوات المباشرة لقائد المليشيا في سوق العقارات الخليجي؛ حيث اشترى “حميدتي” شخصياً باسمه الصريح 3 شقق سكنية فاخرة في ضواحي دبي الشرقية (بالقرب من قاعدة المنهاد الجوية). تمت هذه الصفقات في مارس 2020 وقُدّرت قيمتها آنذاك بنحو 1.7 مليون دولار، قبل أن يتم نقل ملكيتها لاحقاً إلى شركات واجهة لإبعاد الشبهات القانونية.
■ أراضي الزوجات في داماك
لم يتوقف تدفق الأموال إلى الخارج بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، بل استمر بكفاءة عالية. وتكشف السجلات أن إحدى زوجات حميدتي قامت بشراء قطعة أرض استثمارية تجارية كبرى بقيمة 850,000 دولار في مجمع “داماك هيلز” (Damac Hills) الفاخر والمغلق، وتحديداً في أواخر عام 2023، مما يؤكد تواصل عمليات الشراء والهروب بالثروة وسط النيران.
■ مستشارو البرج والخلية المالية
يمتد النفوذ العقاري للشبكة إلى قلب دبي النابض؛ حيث وثق التحقيق وجود شقة فاخرة تبلغ قيمتها 700,000 دولار داخل “برج خليفة” (منطقة داون تاون). تكمن خطورة هذا العقار في تسجيله رسمياً باسم أحد المستشارين الماليين ومسؤولي إدارة الشركات التابعين مباشرة لعائلة دقلو، والذي يعمل كحلقة وصل بشرية لتمرير المعاملات الكبرى.
■ المجمعات المغلقة للأشقاء والأقارب
تتركز الكتلة الأكبر من الفيلات السكنية الفارهة والأصول العقارية المعدة للإيجار في مجمعات سكنية مخصصة ومغلقة بالكامل (Gated Communities). تعود ملكية هذه الأصول لشقيق قائد المليشيا، “القوني حمدان دقلو”، إلى جانب عدد من الأقارب من الدرجة الثانية، حيث تستغل هذه العقارات لتوليد تدفقات مالية شهرية وسنوية بالعملة الصعبة تعيد تغذية الشبكة.
■ شركة الواجهة والالتفاف المصرفي
تطرح قدرة قادة عسكريين خاضعين لعقوبات مشددة من وزارة الخزانة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبريطانيا على الشراء، تساؤلاً تجيب عنه أدوار شركة “بروديجيوس للاستثمار” (Prodigious Investment FZE). تعمل هذه الشركة كحرباء مالية في مناطق التجارة الحرة، حيث تنجح في اجتياز أنظمة التدقيق المصرفي عبر إخفاء هوية “الملاك المستفيدين الفعليين”، وتحويل الأموال المشبوهة إلى أصول نظيفة وقانونية.

■ مسار الدم من المناجم للأبراج
تتحرك أموال الشبكة في حلقة دائرية تبدأ من السيطرة الميدانية لقوات الدعم السريع على مواقع التعدين الأساسية، وعلى رأسها مجمع مناجم “جبل عامر” ومناجم ولاية نهر النيل. يتم تهريب أطنان الذهب بانتظام عبر رحلات جوية وقنوات موازية، ثم تسييلها وسباكتها في الأسواق الدولية لتحويلها إلى نقد أجنبي، وبدلاً من إعانة ملايين الجوعى، تُضخ الأموال مباشرة في سوق عقارات دبي المزدهر
.
■ المشترون بالوكالة وثغرات النظام
يستغل جنرالات الحرب ثغرة واضحة في إنفاذ العقوبات الدولية؛ فالمنظومة الدولية تعتمد على القوائم الاسمية للأفراد. هنا يأتي دور “المشترين بالوكالة” (Proxies) من أقارب وشركاء تجاريين غير مدرجين في قوائم الحظر. تسجيل العقارات بأسمائهم يمنح الثروة حصانة تامة تسمح بحرية البيع، الشراء، والتسييل دون تفعيل إنذارات الامتثال في المصارف.
■ قنوات الدفع البديلة للنقد
لتفادي الرقابة الصارمة المفروضة على نظام المراسلات المصرفية الدولي “سويفت”، اعتمدت الدائرة المالية لعائلة دقلو على شبكات مالية موازية. تشمل هذه القنوات مكاتب الصرافة التقليدية (الهند والخليج)، الحوالات النقدية السائلة، والتسويات المتبادلة بين شركات الاستيراد والتصدير، مما أتاح نقل ملايين الدولارات المخصصة للأقساط العقارية دون ترك أثر رقمي.
■ حصانة الأصول وأمراء الحرب
تثبت الوقائع الميدانية أنه ما لم تستهدف الآليات الدولية الأصول العقارية والشركات الواجهة بشكل صارم، فإن المحركات المالية التي تغذي الحرب في السودان لن تتوقف. تظل عقارات عائلة “دقلو” في مأمن، بل وتزداد قيمتها السوقية وتدر أرباحاً دورية، مما يمنح أمراء الحرب قدرة ممتدة على الصمود المالي، بينما يدفع المواطن السوداني البسيط فاتورة الدمار من حياته ومستقبل أبنائه.
■ تجفيف منابع النفوذ
يخلص التحقيق الاستقصائي إلى أن تفكيك إمبراطوريات الظل العقارية وحظر الشركات الواجهة والوكلاء الماليين هو المفتاح الحقيقي لإنهاء الصراع. إن بقاء ثروة الـ 24 مليون دولار ومستجداتها آمنة خلف الحدود يعني استمرار تدفق شريان الحياة للمليشيا؛ وتحويل العقوبات من حبر على ورق إلى مصادرة فعلية للأملاك هو الخطوة الوحيدة لكبح جماح الحرب واسترداد حقوق الشعب السوداني المنهوبة.
المصدر | صحيفة العودة





