مقالات

الغذاء صحةٌ أو مرض (14 من 20): الطعام المصنّع والمعلّبات

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

لم يدخل الطعام المصنّع والمعلّب إلى حياة الناس من باب الشر كله، ولا يصح أن نتحدث عنه كأنه عدوٌّ مطلقٌ لا ينتفع به أحد في أي ظرف؛ فقد تكون بعض المعلبات نافعةً عند السفر، أو في أوقات الطوارئ، أو حين تضيق القدرة على الطبخ، أو عندما يحتاج الإنسان إلى حفظ الغذاء مدةً أطول. وقد يسّر التصنيع الغذائي حفظ بعض الأطعمة ونقلها وتوفيرها خارج موسمها، وهذا في أصله من وجوه الانتفاع بما علّم الله الإنسان من أسباب الصناعة والتدبير. ولكن الخلل يبدأ حين ينتقل الطعام المصنّع من كونه حلًّا عارضًا أو مساعدًا إلى كونه أصل المائدة اليومية، وحين تصبح العبوة والعلبة والمنتج الجاهز بديلًا دائمًا عن الطعام القريب من أصله.

والقرآن الكريم حين يتحدث عن الطعام يردّ الإنسان إلى أصل النعمة، إلى الأرض والماء والنبات والأنعام والثمار، لا إلى الصورة المصنّعة وحدها. قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ۝ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ۝ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ۝ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ۝ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ۝ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ۝ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ۝ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ۝ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 24-32]. فهذا النظر إلى الطعام يعلّم الإنسان ألا يكتفي باللون والاسم والعبوة، بل يسأل: من أين جاء الطعام؟ ماذا بقي فيه من أصله؟ ماذا أُضيف إليه؟ وهل هو أقرب إلى رزق الأرض أم إلى تركيبٍ طويلٍ لا يعرف المستهلك أكثر مكوناته؟
والطعام المصنّع درجات. فليس حفظ الطعام بالتجفيف أو التجميد أو التعليب البسيط مثل الأطعمة شديدة التصنيع التي تجمع السكر والملح والدهون الرديئة والنكهات والألوان والمواد الحافظة والمكثفات والمحسنات. فهناك فرق بين علبة فولٍ أو تونةٍ تُستعمل عند الحاجة مع قراءة الملح والزيت والمكونات، وبين رقائق ومقرمشات وحلويات ومعجنات ولحوم مصنعة ومشروبات ووجبات جاهزة صُممت لتجذب اللسان، وتطيل مدة الصلاحية، وتدفع الإنسان إلى التكرار. المشكلة الكبرى غالبًا في الطعام الذي ابتعد كثيرًا عن أصله، حتى صار طعمه أقوى من قيمته، وشكله أجمل من نفعه.

ومن هنا كان أول واجبٍ على المستهلك أن يتعلم قراءة المكونات بقدر ما يستطيع. ليس مطلوبًا من كل إنسان أن يكون خبيرًا في علوم الغذاء، ولكن يكفي أن يعرف أن كثرة المكونات الغامضة علامة تستحق الانتباه، وأن وجود السكر بأسماء متعددة، أو الزيوت المهدرجة، أو الملح العالي، أو النكهات والألوان الكثيرة، ليس أمرًا عابرًا. فالعبوة قد تقول للعين: أنا لذيذة وسهلة وجاهزة، لكن المكونات تكشف للجسد الحقيقة التي لا يراها الإعلان.

وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]. والطيب هنا ليس مجرد ما استساغه اللسان، بل ما كان صالحًا في أصله وأثره، سالمًا من الخبث والضرر بقدر الاستطاعة. ولذلك فليس كل ما يباع ويؤكل ويُعلن عنه يدخل في معنى الطيب الكامل بمجرد أنه متاحٌ في السوق. قد يكون مباحًا من جهة الأصل، لكنه ضعيف القيمة، أو كثير الضرر إذا تكرر، أو محمّلًا بما ينبغي تقليله. وشكر النعمة أن نختار من الرزق ما يقيم الجسد، لا ما يخدعه ساعةً ويثقله زمنًا.

والمعلبات خاصةً تحتاج إلى وعي. فبعضها قد يكون مفيدًا عند الحاجة، مثل بعض أنواع البقول أو الأسماك أو الخضروات المحفوظة، لكن ينبغي الانتباه إلى الملح، والزيت، والسكر، وطريقة الحفظ، وتاريخ الصلاحية، وسلامة العلبة نفسها. فالعلبة المنتفخة، أو الصدئة، أو المسربة، أو ذات الرائحة الغريبة بعد الفتح، لا يصح التساهل معها. والطعام المعلب إذا فُتح لا ينبغي أن يُترك مكشوفًا أو محفوظًا بطريقةٍ خاطئة. فسلامة الغذاء لا تقل أهمية عن نوع الغذاء.

وفي حياتنا اليومية، يدخل الطعام المصنّع من أبواب كثيرة: بسكويت للأطفال، ومقرمشات في المدارس، ونقانق ولحوم محفوظة، وشعرية سريعة التحضير، وصلصات جاهزة، ومكعبات نكهة، ووجبات مجمدة، ومعلبات، وحلويات مغلفة، ومعجنات، ومشروبات محلاة، وأطعمة يشتريها الإنسان لأنها سهلة وسريعة. وهذه السرعة لها ثمن. فقد يربح الإنسان دقائق من الوقت، لكنه يدفع من صحته وذوق أبنائه ومال بيته ما هو أكبر من تلك الدقائق إذا أصبحت هذه المنتجات عادةً لا استثناءً.

وقد حذر القرآن من الانخداع بظاهر الحياة إذا غاب النظر في العاقبة، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7]. والآية في معناها الأكبر تتحدث عن غفلة الإنسان عن الآخرة، لكنها تربي فينا أصلًا واسعًا: لا تنخدع بالظاهر. وفي باب الطعام، الظاهر قد يكون تغليفًا جميلًا، وطعمًا قويًا، وسرعة تحضير، وسعرًا مغريًا، وإعلانًا جذابًا، أما الباطن فقد يكون سكرًا وملحًا ودهونًا ومضافاتٍ لا يحتاجها البدن. والعاقل لا يشتري بعينه وحدها، بل بعقله أيضًا.
ومن أخطر ما في الطعام المصنّع أنه يدرّب اللسان على الطعم العالي. فالطعام الطبيعي البسيط له طعم أهدأ، أما المنتج المصنع فيأتي غالبًا بطعمٍ مضخم: حلاوة عالية، ملوحة قوية، قرمشة، نكهات مركزة، روائح جذابة. فإذا اعتاد الطفل والكبير هذه القوة المصطنعة، صار الطعام البيتي في نظره مملًا. وهكذا لا يكتفي الطعام المصنّع بأن يدخل الجسد، بل يدخل الذوق، ويعيد تشكيل الرغبة، ويجعل الرجوع إلى البساطة أصعب.

والأطفال أكثر الناس تعرضًا لهذا الخطر؛ لأنهم أسرع استجابةً للإعلان واللون والشكل والهدايا والصور على العبوات. فإذا امتلأت حقيبة الطفل بالبسكويت والمقرمشات والعصائر الصناعية، فقد يتعلم أن هذه هي وجبته الطبيعية، وأن الفاكهة والماء واللبن والفول والبيض والطعام البيتي أشياء ثقيلة أو مملة. وهذا ليس ذنب الطفل وحده، بل هو نتيجة ما يقدمه له البيت والسوق والمدرسة. ومن هنا فإن حماية الطفل من الطعام المصنّع ليست حرمانًا، بل تربية ذوقٍ ووقاية صحة.

وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]. والآية في سياق حفظ المال وإدارته، لكنها تذكرنا بأن المال قيامٌ للحياة، فلا ينبغي أن يُصرف بلا رشد. ومن قلة الرشد أن يذهب جزءٌ معتبر من مال البيت إلى منتجاتٍ لا تبني صحة، بينما يقال إن الخضروات أو الفاكهة أو اللبن أو البيض أو البقوليات غالية. ليس كل بيت قادرًا على كل شيء، لكن كثيرًا من البيوت يستطيع أن يعيد ترتيب ما يشتريه، فينقص من العبوات الجذابة ويزيد من الغذاء الحقيقي.

واللحوم المصنعة تحتاج إلى حذرٍ خاص. فالنقانق والمرتديلا وبعض اللحوم المعلبة أو المدخنة أو المحفوظة قد تحتوي على ملحٍ عالٍ ودهونٍ وإضافاتٍ تجعلها بعيدة عن اللحم الطبيعي المعروف المصدر. وهي سهلة وسريعة ومحببة للأطفال، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلًا دائمًا عن البيض أو الفول أو العدس أو السمك أو اللحم الطازج عند القدرة. وليس المطلوب أن نثير الفزع من كل قطعة، بل أن نمنع تحولها إلى عادة يومية، وأن نفهم أن سهولة التحضير لا تعني سلامة الاختيار.

وكذلك مكعبات النكهة والصلصات الجاهزة. فقد تبدو شيئًا صغيرًا يضاف إلى القدر، لكنها قد تحمل ملحًا عاليًا ونكهاتٍ تجعل اللسان يطلب طعمًا أقوى من الطبيعي. فإذا اعتاد البيت عليها صار الملاح أو الشوربة أو الخضار لا يُقبل إلا بها، وتراجع طعم البصل والثوم والليمون والبهارات الطبيعية والخضرة نفسها. ومن الحكمة ألا نترك نكهة البيت لشركات التصنيع، بل نعيد للمطبخ بساطته: مكونات واضحة، وملح قليل، وزيت قليل، وطعم يأتي من الطعام لا من الإضافات الكثيرة.

وفي السنة أصلٌ جامع هو قوله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وهذا الهدي يصلح منهجًا للمستهلك في غذائه أيضًا. فإذا وجدت منتجًا لا تعرف مكوناته، أو علبةً مشكوكًا في سلامتها، أو طعامًا يسبب لك أو لأطفالك اضطرابًا، أو شيئًا كثير الإضافات لا تحتاجه، فالأقرب إلى السلامة أن تتركه إلى ما هو أوضح وأبسط. ليست كل ريبة حكمًا قاطعًا بالتحريم أو الضرر، لكنها دعوة إلى الاحتياط العاقل حين يكون البديل أوضح وأقرب إلى الطبيعة.

ومن المهم ألا نخلط بين التصنيع النافع والتصنيع المفرط. فطحن الحبوب، وتجفيف الخضروات، وتجميد بعض الأطعمة، وحفظ اللبن بطريقة مأمونة، وتعليب بعض الغذاء عند الحاجة، كل ذلك قد يكون نافعًا. المشكلة في الطعام الذي يُصمم ليكون شديد الجاذبية، طويل البقاء، كثير الإضافات، ضعيف الشبع الحقيقي، ومرتبطًا بالاستهلاك المتكرر. فالميزان ليس كلمة “مصنّع” وحدها، بل مقدار الابتعاد عن أصل الطعام، وحجم السكر والملح والدهون والمضافات، وتكرار الاستعمال.

وفي واقع السودان، قد تكون المعلبات أحيانًا ضرورة في بعض الظروف: سفر طويل، نزوح، طوارئ، غياب كهرباء، صعوبة طبخ، أو حاجة إلى تخزين. هنا لا نلوم الناس على استعمال المتاح، لكن ننصحهم بقدر الممكن: اختاروا الأقل ملحًا وزيتًا، افحصوا العلبة، لا تشتروا المنفوخ أو الصدئ، انتبهوا للصلاحية، لا تتركوا الطعام المفتوح في العلبة مدةً طويلة، وأضيفوا إليه خضرة أو بقولًا أو طعامًا طبيعيًا إن تيسر. فالوعي لا يعني المثالية، بل تحسين الاختيار داخل الواقع.

وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]. وهذه القاعدة تظهر بقوة في الطعام المصنّع؛ لأنه سهل الإفراط. قطعة صغيرة ثم أخرى، عبوة صغيرة ثم أخرى، مذاق يدفع إلى المزيد، وشبع لا يأتي سريعًا. فالطعام الطبيعي غالبًا يضع أمامك حدودًا أوضح، أما المنتجات المصنعة فكثير منها صُمم ليؤكل بسرعة وبلا انتباه. ومن هنا يكون ضبط الكمية والتكرار ضرورة، لا تفصيلًا صغيرًا.

ومن الأسئلة العملية عند شراء أي منتج: هل أحتاجه فعلًا أم اشتريته لأن شكله جذبني؟ هل مكوناته مفهومة؟ هل فيه سكر أو ملح أو زيوت مهدرجة؟ هل هو طعامٌ لضرورة أو عادة؟ هل يمكن أن أستبدله بفول أو عدس أو بيض أو لبن أو فاكهة أو خضرة؟ هل أشتريه لطفلي لأنه نافع أم لأنه يلحّ عليّ؟ هل قرأت تاريخ الصلاحية وسلامة العبوة؟ هل صار هذا المنتج يدخل بيتنا كل أسبوع حتى أصبح جزءًا من غذائنا؟

والبدائل ليست مستحيلة. بدل المقرمشات المالحة يمكن تقديم فول سوداني أو سمسم أو فشار منزلي قليل الملح حين يناسب العمر والحال. وبدل البسكويت اليومي يمكن تقديم فاكهة أو خبز بسيط مع فول أو جبن قليل الملح. وبدل العصير الصناعي ماء أو فاكهة. وبدل الشعرية السريعة وجبة عدس أو شوربة بسيطة. وبدل الصلصة الجاهزة طماطم وبصل وثوم وبهارات طبيعية. ليست هذه البدائل كاملة في كل بيت وكل وقت، لكنها اتجاهٌ صحيح يقلل الاعتماد على العبوة.

ولا بد من مراعاة أن بعض الناس يلجؤون إلى الطعام المصنع بسبب التعب وضيق الوقت، لا بسبب الجهل وحده. الأم العاملة، والطالب، والعامل، والمسافر، والأسرة التي تعيش ظروفًا صعبة، قد يجدون في المنتج الجاهز حلًا سريعًا. لذلك ينبغي أن تكون النصيحة رحيمة وعملية: حضّروا بعض الطعام مسبقًا إن تيسر، اطبخوا كمياتٍ معقولةً من البقول تُحفظ ليومين بطريقة سليمة، جهزوا بدائل بسيطة للأطفال، لا تجعلوا البيت ممتلئًا بالمنتجات المغرية، واجعلوا الطعام المصنع خيارًا اضطراريًا لا أساسًا يوميًا.

وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وهذه الآية تضع ميزان الاستطاعة. لا نكلف الناس فوق طاقتهم، ولا نزعم أن كل بيت يستطيع أن يأكل مثاليًا، ولكن نقول: أصلح ما تستطيع. قلل العبوات. اقرأ المكونات. لا تجعل المصنع عادةً يومية. اجعل الطبيعي أقرب ما أمكن. علّم الطفل الفرق بين الغذاء الحقيقي والمنتج الجذاب. واحفظ مالك وصحتك من الاستهلاك الذي لا يبني.

إن الطعام المصنّع والمعلّبات قد تكون أداةً نافعةً في موضعها، لكنها تصبح خطرًا حين تقود المائدة وتربي الذوق وتستنزف المال وتزاحم الطعام الحقيقي. والعلبة لا ينبغي أن تكون أذكى من عقل الإنسان، ولا الإعلان أصدق من حاجة الجسد، ولا السرعة أهم من الصحة. ومن عرف هذا لم يرفض كل جديد، لكنه لم يُسلّم نفسه لكل مغلّفٍ لامع.

وهكذا يكون الغذاء صحةً حين يبقى الطعام أقرب إلى أصله، وتدخل المعلبات والمنتجات المصنعة بقدر الحاجة والوعي، ويكون مرضًا حين يصبح البيت تابعًا للعبوة، والطفل تابعًا للإعلان، والذوق تابعًا للسكر والملح والدهون المخفية. والطعام الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى صورةٍ براقةٍ ولا مكوناتٍ طويلة؛ يكفيه أن يكون طيبًا، واضحًا، نظيفًا، معتدلًا، قريبًا من نعمة الأرض التي أمرنا الله أن ننظر إليها، ونشكرها بحسن الانتفاع بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى